
تتجه أسواق الطاقة العالمية نحو مرحلة من الاضطراب العميقة بعد الضربات التي استهدفت البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال في قطر، في تطور يُنذر بإعادة رسم خريطة الإمدادات العالمية ويكشف هشاشة الاعتماد على مصادر محدودة للطاقة، إذ يرى محللون أن التداعيات لن تقتصر على أسواق الغاز، بل ستمتد إلى قطاعات الزراعة والصناعة، مع تأثيرات قد تستمر لسنوات.
وبحسب تقرير نشره موقع «AGBI»، فإن الهجوم الإيراني على منشآت الغاز المسال القطرية أدى إلى تعطّل ما يقارب خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، ما يسلّط الضوء على المخاطر المرتبطة بتركيز الإمدادات في عدد محدود من المنتجين، ويعزز احتمالات استمرار التقلبات في الأسواق العالمية لفترة طويلة.
أدى هذا الحدث إلى خلل واضح في توازن العرض والطلب، حيث تجد الأسواق نفسها أمام نقص مفاجئ في الإمدادات يصعب تعويضه سريعاً، ورغم توقعات بأن تسعى دول مثل الولايات المتحدة، أكبر مصدّر للغاز المسال عالمياً، إلى جانب أستراليا ومنتجين آخرين في آسيا وأوروبا، إلى سدّ جزء من الفجوة، إلا أن معظم هذه الدول تعمل بالفعل بالقرب من طاقتها الإنتاجية القصوى.
في هذا السياق، قال لوران ليكو مؤسس شركة الاستشارات المالية (The Macro Butler) إن إعادة التوازن في السوق على المدى القصير ستتحقق من خلال تراجع الطلب، وليس عبر زيادة العرض، في إشارة إلى أن الأسعار المرتفعة ستدفع المستهلكين إلى تقليص الاستهلاك بدلاً من انتظار تدفقات إضافية.
من جانبه، أكد ناصر السعيدي مُؤسِّس ورئيس شركة ناصر السعيدي وشركاه أن الأزمة الحالية تمثل درساً واضحاً بشأن مخاطر الاعتماد على مورد واحد، مشدداً على ضرورة تنويع مصادر الطاقة عبر التوسع في الشراكات مع منتجين متعددين، وأضاف أن التقلبات في أسواق الطاقة والسلع الزراعية قد تستمر لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، حتى في حال تراجع التوترات الجيوسياسية، وذلك بسبب استمرار القيود على الإمدادات وبطء دخول طاقات إنتاجية جديدة.
يتوقع أن تؤدي الأزمة إلى إعادة توزيع النفوذ داخل أسواق الطاقة العالمية، حيث تبرز بعض الدول كـ«رابحين» في مقابل تراجع دور أخرى، إذ تُعد روسيا من أبرز المستفيدين المحتملين، لاسيما في الأسواق الآسيوية.
وتجدر الإشارة إلى أنه قبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، كانت روسيا تزود الاتحاد الأوروبي بأكثر من 40% من احتياجاته من الغاز، قبل أن تتراجع هذه النسبة إلى نحو 13% بحلول عام 2025، وفق بيانات«المجلس الأوروبي» (European Council)، في ظل توجه أوروبي لتقليل الاعتماد على موسكو.
وأوضح التقرير أنه رغم الضغوط الحالية، لا تزال دول الاتحاد الأوروبي متمسكة بهذا التوجه، حيث أكد وزير البيئة وأمن الطاقة الإيطالي، جيلبرتو بيتشيتو فراتين أن إيطاليا لن تعود للاعتماد على الغاز الروسي، مشيراً إلى سعي روما لتأمين بدائل من دول مثل أذربيجان والجزائر.
كما يبرز شرق البحر المتوسط في ظل هذه التحولات، كمصدر بديل محتمل للإمدادات،حيث أوضح سيريل ويدرسهوفن المحلل في (Blue Water Strategy) العالمية، أن مشاريع الغاز البحرية في المنطقة، مثل حقلي «ليفياثان» و«تمار» في إسرائيل، وحقل «أفروديت» في قبرص، إلى جانب قدرات التصدير المصرية، يمكن أن تسهم في تنويع الإمدادات العالمية.
وتُعد آسيا الأكثر تعرضاً لتداعيات هذه الأزمة، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الغاز من منطقة الخليج، فالصين، على سبيل المثال، تستورد ما بين 25% و30% من احتياجاتها من الغاز المسال من قطر، فيما تعتمد الهند بشكل كبير على قطر والإمارات وسلطنة عمان لتأمين نحو ثلثي وارداتها.
وأشار السعيدي إلى أن الدول التي تمتلك بالفعل قنوات للوصول إلى الطاقة الروسية، مثل الصين وبعض الدول الآسيوية، قد تكون في موقع أفضل للتعامل مع الصدمة الحالية.
لا تقتصر آثار الأزمة على قطاع الطاقة، إذ تمتد إلى الزراعة والصناعة بشكل مباشر، فالغاز الطبيعي يُعد عنصراً أساسياً في إنتاج «الأسمدة»، ما يعني أن ارتفاع أسعاره سيؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج الزراعي عالمياً، وقال لوك إن المنتجين الزراعيين سيواجهون ضغوطاً متزايدة على تكاليف المدخلات، إضافة إلى تحديات في توفرها، وهو ما سينعكس بدوره على أسعار الغذاء ومسارات التضخم، لا سيما في الأسواق الناشئة.
كما ستتأثر الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، حيث قد تضطر الشركات إلى تقليص الإنتاج نتيجة ارتفاع التكاليف، ما يضغط على هوامش الأرباح ويهدد سلاسل التوريد.
تواجه أوروبا وضعاً حساساً بشكل خاص، مع دخولها موسم إعادة ملء مخزونات الغاز بمستويات تقل عن 30%، وهي الأدنى منذ أزمة الطاقة في عام 2022، حيث تعتمد القارة بشكل كبير على النرويج، التي توفر أكثر من ثلث احتياجاتها من الغاز، إلا أن الإنتاج النرويجي يقترب من الحد الأقصى، ما يحد من قدرته على تعويض النقص الحالي.
وتشير التقديرات على المدى الطويل، إلى استمرار نقص الإمدادات في سوق الغاز المسال، حيث أعلنت قطر أن نحو 17% من طاقتها التصديرية تضررت نتيجة الهجمات، مع توقعات بأن تستغرق أعمال الإصلاح ما بين ثلاث إلى خمس سنوات.
وأدى ذلك إلى إعلان الدوحة حالة «القوة القاهرة» على عدد من عقود التوريد طويلة الأجل، ما أثر على دول مثل إيطاليا وبلجيكا وكوريا الجنوبية والصين، وكذلك تثير هذه التطورات شكوكاً بشأن الجدول الزمني لتوسعة حقل الشمال، الذي كان يُعوّل عليه لزيادة الإنتاج العالمي في السنوات المقبلة.
تعكس الأزمة تحولاً أوسع في طريقة تعامل الدول مع أمن الطاقة، فعلى عكس النفط، لا يوجد نظام احتياطي عالمي منسق للغاز المسال، ما يجعل الأسواق أكثر عرضة للتقلبات.
وفي هذا السياق، قال فيجاي فاليشا الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة «سنشري فاينانشال» إن دولًا مثل الهند وبعض الدول الأوروبية ستتجه إلى توقيع عقود طويلة الأجل مع الولايات المتحدة وأستراليا لضمان استقرار الإمدادات، موضحاً أن الغاز المسال لم يعد مجرد وقود مرن، بل أصبح مورداً استراتيجياً تحكمه الاعتبارات الجيوسياسية، في تحول يعكس مرحلة جديدة في أسواق الطاقة العالمية.