
تسعى بغداد إلى إعادة رسم خريطة صادراتها النفطية عبر فتح مسارات جديدة في ظل توترات مضيق هرمز، مستفيدة من خط جيهان التركي وإمكانية إحياء خط بانياس السوري، في رهان اقتصادي وسياسي لتأمين تدفق الخام وتقليص مخاطر الجغرافيا والتوترات الإقليمية.
ويعتقد خبراء نفط واقتصاد بالعراق، تحدثوا لـ«إرم بزنس»، أن «رهان العراق على هاتين الرئتين يمكن أن ينجح على المدى المتوسط والبعيد، لكنه لا يشكل بديلاً سريعاً عن المنفذ الجنوبي (المضيق)»، متوقعين مزيداً من الدعم الأميركي لبغداد في مسار البدائل للنأي بها عن مسار العلاقات مع إيران ورفع مستهدفات التصدير للضعف.
منتصف يوليو الجاري، قال وزير النفط، باسم محمد خضير العبادي، لوكالة الأنباء الرسمية العراقية (واع): «قبل الحرب (بين واشنطن وطهران) كانت لدينا استراتيجية تعدد المنافذ لتصدير النفط، إذ لا يمكن لبلد مثل العراق، والذي يمتلك هذه الاحتياطيات الكبيرة من النفط والغاز، أن يبقى على منفذ واحد، وهو (هرمز) وكانت المشكلة الاقتصادية والمشكلة المالية تحولان بيننا وبين تنفيذ الأنابيب».
وأضاف: «اليوم هناك ائتلاف من شركتين أميركيتين، هما شركة (TI كابيتال)، وشركة (شفرون)، بالإضافة إلى شركة (UCC) القطرية، وستدخل إحدى الشركات العراقية كشركة أهلية في تنفيذ منظومة من البصرة إلى فيشخابور، وترتبط بجيهان، وفرع من حديثة إلى بانياس»، لافتاً إلى أن «هذا سيوفر، بالإضافة إلى منفذ هرمز، رئتين لتصدير النفط، وهما عن طريق جيهان وعن طريق بانياس».
وآنذاك، قال رئيس الوزراء العراقي، على الزيدي، خلال زيارته لواشنطن، إن رفع الإنتاج النفطي وتعزيز التصدير وتوسعة التكرير ضمن أولويات الحكومة للتنمية والإصلاح الاقتصادي.
وفي 18 يوليو الجاري، وقعت وزارة النفط العراقية مع نظيرتها السورية مذكرة تفاهم بشأن إنشاء أنبوب لتصدير النفط الخام عبر الأراضي السورية، من ميناء بانياس على البحر الأبيض المتوسط، بما يسهم في تنويع مسارات التصدير ودعم أمن الطاقة، وربط إنتاج النفط العراقي بأسواق التصدير العالمية عبر البحر الأبيض المتوسط بحسب ما نقلته «واع».
ويرى الخبير النفطي والمتحدث السابق باسم وزارة النفط العراقية عاصم جهاد، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن الحديث عن إنشاء «رئتين» إضافيتين لتصدير النفط العراقي يمثل توجهاً استراتيجياً مهماً، لكنه يتطلب دراسة واقعية وقراءة دقيقة للجدوى الاقتصادية والفنية، وحجم الالتزامات المطلوبة، وقدرة العراق على توفير كميات كافية من النفط الخام، فضلاً عن دراسة الأسواق العالمية ومدى حاجتها إلى الكميات التي ستتدفق عبر هذه الأنابيب.
وهذه المنافذ الجديدة، سواء باتجاه بانياس أو فيشخابور، ينبغي النظر إليها بوصفها خطوط إسناد وتنويع، وليست بديلاً عن المنفذ الجنوبي هرمز الذي يستحوذ على النسبة الأكبر من الصادرات النفطية العراقية، ويظل الأقل كلفة والأكثر جاهزية من الناحية التشغيلية، وفق جهاد.
وأكد أن هذه المشاريع لا تمثل حلاً آنياً لأي أزمة محتملة في «مضيق هرمز»، لأنها تحتاج إلى سنوات من الدراسات والاتفاقات والتمويل والتنفيذ، فضلاً عن أن أزمة المضيق لن تبقى بالضرورة قائمة لعقود طويلة، داعيا لعدم بناء الجدوى الاقتصادية لهذه المشاريع على ظرف جيوسياسي مؤقت، بل على حاجة استراتيجية دائمة لتنويع منافذ التصدير وتعزيز أمن الطاقة.
من الناحية الفنية، يتطلب نجاح هذه المشاريع بحسب جهاد «النهوض بالبنية التحتية لقطاع نقل النفط، والإسراع بتنفيذ الأنبوب الرابط بين الرميلة وحديثة، بوصفه الحلقة الأساسية في توسيع منافذ التصدير، يلي ذلك تأهيل وربط المسارات اللاحقة، إلى جانب تهيئة الأرضية التشريعية والاستثمارية والفنية المناسبة لضمان تنفيذ هذه المشاريع بكفاءة وتحويلها إلى مشاريع استراتيجية قابلة للاستدامة».
ويعتقد الخبير النفطي أن «رهان العراق على هاتين الرئتين يمكن أن ينجح على المدى المتوسط والبعيد، لكنه لا يشكل بديلاً سريعاً عن المنفذ الجنوبي، ولا يرفع الضغوط المحتملة عن العراق في المدى القريب، ما لم تتحول هذه الطروحات إلى خطط تنفيذية واضحة ومتكاملة».
يرى عميد كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة واسط العراقية، أحمد عبدالله الوائلي، في حديث لـ«إرم بزنس» أن القرارات الأخيرة والتعامل الأميركي مع بغداد يهدف إلى النأي بالجانب العراقي عن التعامل عبر «مضيق هرمز» والجانب الإيراني، والدفع باتجاه بدائل أخرى، وهو ما تم بحثه خلال زيارة الزيدي لواشنطن لإيجاد منافذ بديلة وتعزيز التعاون في مجال الطاقة.
وأوضح أن العراق يصدر حالياً من المناطق الجنوبية عبر «مضيق هرمز» ما يقارب 3.5 مليون برميل يومياً، من إجمالي إنتاج يبلغ أكثر من 4.5 مليون برميل يوميا، مشيرا إلى أنه إذا لم تكن هذه المنافذ الحدودية الجديدة قادرة على استيعاب هذه الكميات وتوفير قدرة تصديرية أعلى مما هو مطلوب في المنافذ الجنوبية، فإنها لن تفي بالغرض المنشود بشكل كامل.
وأضاف الأكاديمي الاقتصادي، أحمد عبدالله الوائلي، أن العراق يسعى للوصول بالتعاون مع الشركات الأجنبية إلى إنتاج يقارب 7 ملايين برميل يومياً، مؤكداً قدرة العراق على تحقيق ذلك، وستعمل شركات الطاقة الأميركية المتعاملة مع العراق على زيادة هذا الناتج النفطي لتعويض الاحتياطيات العالمية واحتياطي النفط الأميركي، متوقعا دعم واشنطن لمشاريع البنى التحتية لهذا التوجه الجديد لزيادة منافذ التصدير لضمان رفع سقف الإنتاج.
وأوضح الوائلي، أن الصادرات العراقية الحالية لا تتجاوز مليوناً و300 ألف برميل يومياً، وهو ما يبرز الحاجة الملحة لزيادة وتعدد منافذ التصدير، مؤكدا أن تحقيق هذه الزيادة قد لا يكون ممكناً في الفترة القريبة المقبلة، إلى حين جاهزية هذه المنافذ وتكاملها بشكل تام.