في وقت يدعو فيه عدد من أبرز مطوري الذكاء الاصطناعي عالمياً إلى تعزيز ضوابط السلامة وتبنّي نهج أكثر تأنياً في نشر الأنظمة المتقدمة، يبرز تساؤل محوري حول كيفية مواصلة تسريع الابتكار، مع ضمان مواكبة هذا التطور بأطر فعّالة للسلامة والرقابة البشرية.
وفي ظل هذه التحولات، تنطلق غداً فعاليات "قمة ومعرض عالم الذكاء الاصطناعي أبوظبي 2026، لتجمع صناع القرار الحكوميين ومطوري نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة وشركات التكنولوجيا والبنية التحتية والمستثمرين، لاستشراف المرحلة المقبلة من تطور الذكاء الاصطناعي.
ويُقام الحدث، الذي يعد أكبر معرض وقمة عالمية مكرّسة للذكاء الاصطناعي، يومي 6 و7 أكتوبر في مركز أدنيك أبوظبي، بمشاركة أكثر من 180 من القادة والخبراء العالميين. وتتصدر السيادة الرقمية، والأطر التنظيمية، والتطوير المسؤول، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي أبرز محاور أجندته. وتنظمه شركة "inD"، وتستضيفه دائرة التمكين الحكومي – أبوظبي، بدعم من سليوسنشز بلس "Solutions+" بصفتها الشريك العالمي.
تأتي القمة في وقت تتنامى فيه مكانة الشرق الأوسط وشرق آسيا على خريطة الذكاء الاصطناعي السيادي؛ إذ تستحوذ المنطقتان مجتمعتين على أكثر من 80% من الاستثمارات المعلنة عالمياً في هذا المجال، وفقاً لمؤشر الذكاء الاصطناعي السيادي الصادر عن "مركز الأمن الأمريكي الجديد" (CNAS)، ما يعكس الدور المتنامي للمنطقة ولا سيما أبوظبي، في الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاق استخدامها وتطورها عبر القطاعين الحكومي والخاص.
وفي إطار النقاش حول المتطلبات الجديدة التي يفرضها المشهد العالمي للذكاء الاصطناعي على الحكومات، يستعرض معالي عمر سلطان العلماء، وزير دولة للذكاء الاصطناعي، سبل توظيف البيانات وتقنيات وكلاء الذكاء الاصطناعي (Agentic AI) لإعادة تصميم الخدمات الحكومية، وتعزيز صنع القرار وبناء المرونة المؤسسية.
وتضع رؤية أبوظبي للتحول إلى أول حكومة في العالم تعتمد الذكاء الاصطناعي كركيزة آساسية في عملياتها (AI-native Government) بحلول عام 2027 العلاقة بين التكنولوجيا والحوكمة في صميم النقاشات. ويلقي سعادة أحمد تميم هشام الكتّاب، رئيس دائرة التمكين الحكومي – أبوظبي، الكلمة الافتتاحية، مستعرضاً المقومات اللازمة لترجمة الرؤية التكنولوجية إلى قدرات مؤسسية فاعلة.
كما يسلط سعادة فيصل البناي، مستشار رئيس الدولة لشؤون الأبحاث الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة والأمين العام لمجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة، الضوء على ركائز بناء القدرات السيادية، بما يشمل القدرات الحاسوبية والنماذج المطورة محلياً والمواهب والكفاءات.
كما يشهد الحوار العالمي تحولاً ملحوظاً في مجال نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة (Frontier Models)، فبعد مرحلة اتسمت بتسارع المنافسة بين المطورين العالميين على الريادة في تطوير النماذج والتوسع في السوق، يتجه النقاش بصورة متزايدة نحو قضايا الحوكمة والتعاون والقدرة على التحكم في هذه التقنيات..
وفي أول ظهور له على منصة عامة في أبوظبي، يشارك آرثر مينش، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "ميسترال إيه آي" (Mistral AI)، في النقاش حول العلاقة بين النماذج المفتوحة والسيادة التكنولوجية والسلامة، وما إذا كان بالإمكان تحقيق الانفتاح والاستقلالية مع الحفاظ على مستويات فعّالة من الرقابة وإدارة المخاطر. وتتناول جلسته إحدى أبرز التحديات التي تواجه القطاع؛ فمن جهة، تسهم النماذج المفتوحة في توسيع نطاق الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعزيز الاستقلالية التكنولوجية، إلا أنها قد تطرح في الوقت ذاته تحديات إضافية أمام الرقابة وإدارة المخاطر.
ويناقش مينش ما إذا كانت هذه المفاضلة أمراً حتمياً، أم أنه يمكن تحقيق السيادة والانفتاح والسلامة ضمن منظومة متكاملة تعزز كل منها الأخرى.
وتنتقل النقاشات من العالم الرقمي إلى التطبيقات المادية مع مارك رايبرت، المدير التنفيذي لمعهد RAI ومؤسس شركة "بوسطن داينامكس" (Boston Dynamics)، الذي يستعرض صعود الذكاء الاصطناعي المادي (Physical AI)، وكيف يمكن تحويل التطورات في القدرات الروبوتية إلى تطبيقات منتجة في المصانع وأماكن العمل والحياة اليومية.
ومع منح أنظمة الذكاء الاصطناعي مستويات متزايدة من الاستقلالية، تتصاعد التساؤلات حول المساءلة والرقابة. وتتناول البروفيسورة الدكتورة فيرجينيا ديغنوم، أستاذة الذكاء الاصطناعي المسؤول في جامعة أوميو بالسويد وعضو فريق الخبراء رفيع المستوى المعني بالذكاء الاصطناعي التابع للمفوضية الأوروبية، متطلبات بناء آليات رقابة فعّالة.
وقالت البروفيسورة الدكتورة ديغنوم: "غالباً ما تُختزل الرقابة في مجرد وضع شخص بجانب الآلة ليتحمل اللوم عند تعطلها. هذه ليست رقابة، بل تستر على المسؤولية".
وأكدت أن تحديد الغاية يجب أن يمثل نقطة البداية بالنسبة للحكومات، قائلة: "هذا هو السؤال الصفري: الغاية أولاً. استثمروا في القدرات العامة، بما يشمل المهارات والبنية التحتية للبيانات وخبرات التقييم والمشتريات، حتى تصبح الحكومات جهات واعية في الشراء والتنظيم، بدلاً من أن تكون مجرد متلقٍ سلبي." وأضافت: "يجب أن يكون للمؤسسات الديمقراطية والهيئات التنظيمية والمجتمع المدني والمجتمعات المتأثرة دور في تحديد الغرض من أنظمة الذكاء الاصطناعي وحدود استخدامها".
ومن جانبه، يسلط جورج كوريان، الرئيس التنفيذي لشركة "نت آب" (NetApp)، التي تستخدم تقنياتها 84% من الشركات المدرجة على قائمة "فورتشن 500"، الضوء على العلاقة بين النشر الموثوق للذكاء الاصطناعي وسيادة البيانات وحوكمتها ومرونة البنية التحتية، لا سيما مع منح المؤسسات أنظمة الذكاء الاصطناعي صلاحيات أوسع.
ومن الطموحات الوطنية لبناء قدرات سيادية، مروراً بالتحديات التي تواجه مطوري النماذج المتقدمة، ووصولاً إلى توظيف الأنظمة الذكية في الخدمات الحكومية، تضع "قمة ومعرض عالم الذكاء الاصطناعي أبوظبي 2026" أبرز القضايا التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة من تطور الذكاء الاصطناعي في صدارة الحوار العالمي.