عدم ثقة متزايدة في الديون الحكومية خاصة الدولار الأميركي

أصبحت شركة «تيثر» القابضة (Tether Holdings SA)، المُصدِرة لأكبر عملة مستقرة مرتبطة بالدولار في العالم (USDT)، تمتلك أكبر مخزون معروف من الذهب خارج نطاق البنوك المركزية والدول، في خطوة تُعيد رسم ملامح سوق المعدن النفيس عالمياً، وفقاً لتقرير نشرته «بلومبرغ» اليوم الأربعاء.
وبحسب «بلومبرغ»، تخزّن «تيثر» الذهب الذي تملكه داخل قبو عالي التحصين في مخبأ نووي سابق بسويسرا يعود إلى حقبة الحرب الباردة، حيث يتم إدخال أكثر من طن واحد من الذهب أسبوعياً إلى القبو، وسط إجراءات أمنية مشددة وأبواب فولاذية متعددة الطبقات.
خلال العام الماضي، تحولت «تيثر» بهدوء إلى أحد أكبر المشترين في سوق الذهب العالمية، في وقت سجلت فيه الأسعار مستويات تاريخية غير مسبوقة تجاوزت 5300 دولار للأونصة. ويُجسد هذا التحوّل، وفق «بلومبرغ»، تقاطعاً واضحاً بين عالم العملات الرقمية والذهب، مدفوعاً بعدم الثقة المتزايدة في الديون الحكومية، خاصة الدولار الأميركي.
وفي مقابلة مع «بلومبرغ»، وصف الرئيس التنفيذي للشركة، باولو أردوينو، دور «تيثر» في سوق الذهب بأنه بات شبيهاً بدور البنوك المركزية، مشيراً إلى أن الشركة تضخ جزءاً كبيراً من أرباحها الضخمة في شراء الذهب، مع نيتها التوسع مستقبلاً في تجارة المعدن ومنافسة البنوك الكبرى.
تشير حسابات «بلومبرغ» إلى أن «تيثر» اشترت أكثر من 70 طناً من الذهب خلال عام واحد فقط، وهو حجم يفوق ما اشترته معظم البنوك المركزية منفردة، باستثناء بولندا. كما يتجاوز حجم مشترياتها ما قامت به غالبية صناديق المؤشرات المتداولة، باستثناء أكبر ثلاثة صناديق عالمياً.
ووفقاً لأردوينو، تمتلك تيثر حالياً نحو 140 طناً من الذهب، تُقدَّر قيمتها بنحو 24 مليار دولار، وهو أكبر مخزون معروف خارج البنوك المركزية وصناديق المؤشرات والبنوك التجارية.
وأكد أن الشركة تواصل الشراء بمعدل يتراوح بين طن وطنين أسبوعياً، مع مراجعة خططها ربع سنوياً وفق ظروف السوق.
يرى محللون، نقلاً عن «بلومبرغ»، أن مشتريات تيثر لعبت دوراً في الارتفاع القوي للذهب بنحو 65% خلال العام الماضي، واعتبروها مشترياً جديداً مؤثراً قادراً على دعم الطلب المستدام. في المقابل، يؤكد مجلس الذهب العالمي أن تأثير تيثر كان جزءاً من موجة أوسع قادتها البنوك المركزية وصناديق الاستثمار، التي اشترت مجتمعة أكثر من 1500 طن.
طموحات «تيثر» لا تتوقف عند الشراء والتخزين، إذ تسعى – بحسب «بلومبرغ» – إلى بناء واحدة من أقوى منصات تداول الذهب في العالم، بما يسمح لها بمنافسة مؤسسات كبرى مثل JPMorgan وHSBC. وقد دعمت هذه الخطوة بتعيين اثنين من كبار متداولي الذهب السابقين في بنك HSBC لإدارة أنشطتها.
كما تستثمر الشركة في حصص بشركات حقوق الامتياز المرتبطة بإيرادات مناجم الذهب، خاصة في كندا، في توسع يعكس رؤية طويلة الأجل للرهان على المعدن النفيس.
وتعامل «تيثر» مع الذهب يشبه إلى حد كبير فلسفة البنوك المركزية، إذ تعتبره أصلاً عالي السيولة وغير مرتبط بديون أي جهة. ويرى أردوينو أن الذهب «أكثر أماناً منطقياً من أي عملة وطنية»، لافتاً إلى أن بنوك دول «بريكس» تتجه بقوة لزيادته ضمن احتياطاتها.
ورغم نجاح الرهان حتى الآن، تحذر تقارير تصنيف ائتماني من أن زيادة التعرض لأصول عالية المخاطر مثل الذهب والبيتكوين قد تشكل تهديداً لاستقرار عملة USDT، وهو ما انعكس في خفض تصنيفها إلى «ضعيف» من قبل S&P Global Ratings.
ويرى المحللون أن رهان «تيثر» على الذهب كان ناجحاً، إذ تزامنت مشترياتها مع أقوى موجة صعود للمعدن منذ سبعينيات القرن الماضي، وتسعى الشركة لاستثمار هذا الاتجاه عبر توسيع عملتها المدعومة بالذهب XAUT، والتي قد تصل قيمتها السوقية إلى ما بين 5 و10 مليارات دولار، وهو ما يعني الحاجة لشراء كميات إضافية من الذهب بوتيرة أعلى.