
تشكل التحويلات المالية التي يرسلها العاملون في الخارج شريان حياة لاقتصادات عديدة حول العالم، إذ تسدّ فجوات هيكلية عميقة عندما تعجز الدول عن توفير فرص عمل كافية أو مواجهة أزمات اقتصادية متفاقمة.
وتكشف أحدث بيانات البنك الدولي (2023/2024) عن الدول الأكثر اعتماداً على هذه التحويلات قياسًا إلى الناتج المحلي الإجمالي.
تتصدّر تونغا القائمة عالميًا، حيث تمثل التحويلات نحو 49.98% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تعكس هشاشة اقتصاد هذه الدولة الصغيرة واعتمادها شبه الكامل على تحويلات مواطنيها العاملين في الخارج.
وتأتي بعدها طاجيكستان بـ47.9% مدفوعة بالهجرة الواسعة إلى روسيا، ثم لبنان بـ33.35%، ونيبال بـ33.06%، في ظل قلة الفرص الاقتصادية الداخلية وازدياد اعتماد الأسر على أموال أبنائها المغتربين.
كما تُظهر البيانات أن دولاً أخرى تتجاوز فيها التحويلات ربع الناتج المحلي الإجمالي، مثل نيكاراغوا (26.64%)، وساموا (26.43%)، وهندوراس (25.7%).
وتبرز أيضاً دول مثل السلفادور (24%) وبرمودا وليسوتو (21.98% لكل منهما) وجزر القمر (21.36%) وغامبيا (21.09%).
هذه النسب المرتفعة تسلط الضوء على عمق اعتماد اقتصادات عديدة على التحويلات، ليس فقط كرافد للعملة الصعبة، بل كوسيلة للبقاء والاستقرار الاجتماعي.
ففي نيبال، على سبيل المثال، يشكّل أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي من تحويلات الشباب العاملين في الخارج، وهو ما يدعم الاقتصاد لكنه يغذي أيضاً حالة من السخط نتيجة قلة فرص العمل في الداخل.
الأمر ذاته يظهر في طاجيكستان وساموا، حيث أصبحت التحويلات عنصراً أساسياً في دورة الحياة الاقتصادية.
ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن هذه التدفقات المالية، رغم أهميتها في دعم الأسر الفقيرة وتمويل الاستهلاك المحلي، تكشف هشاشة بنيوية، إذ تعتمد اقتصادات بأكملها على الخارج بدلاً من بناء محركات نمو داخلية.
كما أن أي تغيرات في السياسات أو الأوضاع الاقتصادية في الدول المستقبِلة للعمالة قد تُعرّض هذه البلدان لهزات خطيرة.
وتبقى التحويلات المالية، برغم مخاطرها، شريان حياة لملايين الأسر، وركيزة لا غنى عنها في اقتصادات بعض الدول، خاصة تلك التي تعاني من ضيق السوق المحلية أو الأزمات السياسية والاقتصادية المتكررة.