logo
تكنولوجيا

دوام لا ينتهي.. كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي مفهوم ساعات العمل؟

دوام لا ينتهي.. كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي مفهوم ساعات العمل؟
أشخاص يعملون على أجهزة الكمبيوتر المصدر: «بلومبرغ»
تاريخ النشر:

لسنوات طويلة، بُني اقتصاد العمل حول حقيقة بسيطة: الإنسان لا يستطيع العمل إلى ما لا نهاية. فثماني ساعات يومية كانت تمثل معياراً شائعاً للإنتاج، فيما فرض النوم والراحة والإجازات حدوداً طبيعية على قدرة الموظف على الاستمرار. لكن دخول الوكلاء الذكيين إلى الشركات يضع هذه القاعدة أمام اختبار جديد، بعدما أصبحت البرمجيات قادرة على تنفيذ مهام متواصلة، ومراقبة البيانات، والتعامل مع العملاء، وتحليل المعلومات دون الحاجة إلى التوقف وفق جدول بشري.

وهذا التحول لا يتعلق فقط بإضافة أداة جديدة إلى مكان العمل، بل بإعادة تعريف واحدة من أهم وحدات الاقتصاد: ساعة العمل.

دور الوكيل الذكي 

يستطيع الوكيل الذكي تنفيذ سلسلة من المهام بصورة مستقلة نسبياً، بدءاً من البحث وجمع المعلومات، وصولاً إلى تحليلها وتنفيذ إجراءات محددة وفق التعليمات الممنوحة له. وفي بعض الاستخدامات، يمكن تشغيل هذه الأنظمة طوال اليوم، ما يتيح للشركة الحفاظ على عمليات معينة خارج ساعات الدوام التقليدية.

بالنسبة إلى الشركات، يعني ذلك إمكانية تحويل بعض العمليات من نموذج يعتمد على عدد محدد من الموظفين إلى نموذج يعتمد على أنظمة تعمل بصورة مستمرة.

فبدلاً من أن تكون القدرة الإنتاجية مرتبطة بعدد الساعات التي يستطيع الموظف تقديمها، تصبح مرتبطة بعدد المهام التي تستطيع الأنظمة إنجازها خلال اليوم.

أخبار ذات صلة

تم اختراق منصة «هاغينغ فايس» بواسطة وكلاء ذكاء اصطناعي تابعين لـ«أوبن إيه آي» في 10 يوليو 2026.

حين يخرج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة.. هل تملك الشركات زر الإيقاف؟

الإنتاجية تدخل مرحلة جديدة

لطالما ارتبطت زيادة الإنتاجية بتحسين الأدوات التي يستخدمها الموظفون. أما الوكلاء الذكيون فيقدمون نموذجاً مختلفاً، إذ يمكنهم تنفيذ بعض الأعمال بأنفسهم بدلاً من مجرد مساعدة الإنسان على تنفيذها.

وهنا تظهر إمكانية خفض الوقت اللازم لإنجاز بعض المهام، وزيادة حجم العمل الذي تستطيع الشركة معالجته خلال اليوم نفسه.

لكن زيادة الإنتاجية لا تعني بالضرورة زيادة عدد الوظائف. فإذا تمكن نظام واحد من إنجاز مهمة كانت تحتاج إلى عدة موظفين، فقد تعيد الشركة توزيع العمالة نحو وظائف أخرى، أو تقلل احتياجاتها من بعض المهام المتكررة.

وبذلك قد يصبح السؤال الاقتصادي أقل ارتباطاً بعدد الموظفين، وأكثر ارتباطاً بكمية العمل التي تستطيع الشركة إنتاجها بتكلفة محددة.

أخبار ذات صلة

كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي طريق الشباب نحو الخبرة؟

كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي طريق الشباب نحو الخبرة؟

تكلفة التشغيل البشرية والآلية 

تحتاج ساعة العمل البشرية إلى أجر، بينما تحتاج ساعة تشغيل الوكيل الذكي إلى قدرة حوسبية وطاقة واتصال وبرمجيات. لذلك لا يعني الاعتماد على الذكاء الاصطناعي اختفاء تكلفة العمل، بل قد يعني نقل جزء من التكلفة من الأجور إلى البنية التحتية الرقمية.

وهذه النقطة قد تصبح حاسمة في القطاعات التي تعتمد بكثافة على المهام الرقمية. فإذا أصبحت تكلفة تشغيل نظام ذكي على مدار الساعة أقل من تكلفة توسيع فريق بشري لأداء المهمة نفسها، فإن الحافز الاقتصادي نحو الأتمتة سيزداد.

لكن المعادلة تختلف بحسب نوع المهمة، وجودة النظام، وحجم الرقابة البشرية المطلوبة، وتكلفة الحوسبة والطاقة.

أخبار ذات صلة

صورة تتخيل الامتثال في مجال الذكاء الاصطناعي

مخاوف الخصوصية تهدد رهان التكنولوجيا على عصر الذكاء الاصطناعي

الشركات الصغيرة تدخل سباقاً جديداً

قد لا تكون آثار هذا التحول محصورة بالشركات الكبرى. فالقدرة على تشغيل وكلاء ذكيين بصورة مستمرة قد تمنح الشركات الصغيرة إمكانية الوصول إلى قدرات كانت تتطلب في السابق فرقاً أكبر.

شركة ناشئة يمكنها، على سبيل المثال، استخدام أنظمة آلية لمتابعة استفسارات العملاء، وتحليل المنافسين، وإعداد التقارير، ومراقبة عمليات معينة خارج ساعات العمل.

وهذا قد يخفض بعض حواجز الدخول إلى الأسواق ويزيد المنافسة، لكنه في الوقت ذاته قد يدفع الشركات إلى سباق جديد حول عدد الأنظمة التي تستطيع تشغيلها وكفاءة هذه الأنظمة وتكلفة استخدامها.

أخبار ذات صلة

كمبيوتر «ماك بوك برو» من «أبل» مقاس 16 بوصة

الذكاء الاصطناعي يدخل المتاجر.. هل يخرج منها الإنسان؟

هل يصبح العمل متاحاً على مدار 24 ساعة؟

المفارقة أن قدرة الآلة على العمل المستمر قد لا تؤدي بالضرورة إلى تقليص ساعات العمل البشرية. فقد تستخدم الشركات الوقت الذي توفره الأتمتة لتوسيع نطاق عملياتها بدلاً من تقليل ضغط العمل على الموظفين.

وفي هذه الحالة، قد يتحول الموظف من شخص ينفذ المهمة إلى شخص يراقب مجموعة من الوكلاء ويصحح أخطاءهم ويتعامل مع الحالات التي لا تستطيع الأنظمة حلها.

وبذلك قد تتغير طبيعة العمل أكثر من عدد ساعاته، إذ يصبح الإنسان مسؤولاً عن إدارة إنتاج آلي مستمر بدلاً من تنفيذ كل خطوة بنفسه.

اقتصاد لا يتوقف

التحول الأعمق الذي يفرضه الوكلاء الذكيون هو أن الإنتاج لم يعد مضطراً إلى التوقف عندما ينتهي دوام الموظفين. وإذا أصبحت الشركات قادرة على تشغيل عمليات معينة طوال اليوم، فقد تنتقل المنافسة تدريجياً من كم ساعة يعمل الموظف؟ إلى كم عمل تستطيع الشركة إنجازه خلال 24 ساعة؟

لكن هذه المعادلة ستظل مرتبطة بتكلفة الحوسبة والطاقة والرقائق والبيانات، إضافة إلى الحاجة إلى الرقابة البشرية.

لذلك، قد لا يكون عصر الذكاء الاصطناعي عصر الموظف الذي يعمل 24 ساعة، بل عصر الآلة التي تعمل بدلاً منه عندما يغادر المكتب. وهذه النقلة وحدها كافية لإعادة فتح النقاش حول الإنتاجية والأجور والتوظيف، والأهم حول الطريقة التي يقيس بها الاقتصاد قيمة ساعة العمل.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف