أول منجم ذهب جديد في جنوب إفريقيا منذ أكثر من 15 عاماً

لم يعد الارتفاع القياسي في أسعار الذهب مجرد قفزة لافتة في أسواق السلع، بل تحوّل إلى عامل حاسم يعيد رسم خريطة الاستثمار في قطاع التعدين العالمي. فمع تجاوز سعر الأونصة حاجز 5,000 دولار للمرة الأولى في التاريخ، دخلت صناعة التعدين مرحلة جديدة، بدأت معها شركات كبرى إعادة فتح ملفات مشاريع كانت مجمّدة منذ سنوات، وسط سباق متسارع لإحياء مناجم عميقة ومرتفعة الكلفة كانت خارج الحسابات الاقتصادية في دورات سابقة.
هذا التحول جاء في وقت يشهد فيه الذهب موجة صعود غير مسبوقة، بعدما ارتفع بأكثر من 60% خلال 2025، في أقوى موجات الصعود السنوي منذ عقود، مدفوعاً بتزايد الطلب التحوطي في ظل التوترات الجيوسياسية، وتباطؤ النمو العالمي، واستمرار حالة عدم اليقين في السياسات النقدية. إلا أن الأثر الأعمق لهذه القفزة لا يظهر في محافظ المستثمرين فقط، بل في قرارات رأسمالية ثقيلة داخل قطاع لطالما عانى من هوامش ربح ضيقة وارتفاع مستمر في تكاليف التشغيل.
لسنوات طويلة، شكّلت كلفة الاستخراج، خصوصاً في المناجم العميقة، العائق الأكبر أمام توسّع شركات التعدين. ومع مستويات سعرية أقل بكثير من الحالية، كانت مشاريع عديدة غير قادرة على تجاوز نقطة التعادل، ما دفع الشركات إلى تقليص الإنفاق الرأسمالي والتركيز على الأصول الأقل كلفة.
لكن تجاوز الذهب مستوى 5,000 دولار للأونصة غيّر هذه المعادلة جذرياً. فالأسعار القياسية رفعت هامش الربحية إلى مستويات تسمح بتحمّل استثمارات ضخمة في الحفر العميق، وتحديث البنية التحتية، واستخدام تقنيات استخراج أكثر تعقيداً. وتشير تقديرات القطاع إلى أن عدداً من المناجم كان يحتاج إلى أسعار تتراوح بين 3,500 و4,000 دولار للأونصة للوصول إلى نقطة التعادل، وهي مستويات لم تكن متاحة في الدورات السابقة.
ونتيجة لذلك، عادت مشاريع قديمة إلى الواجهة، وبدأت خطط توسّع مؤجّلة منذ أكثر من عقد ترى طريقها إلى التنفيذ، في تحول يعكس كيف أعادت الأسعار القياسية تعريف ما هو “مجدٍ اقتصادياً” في صناعة التعدين.
تتجلى هذه التحولات بوضوح في جنوب إفريقيا، التي شهدت افتتاح أول منجم ذهب جديد تحت الأرض منذ أكثر من 15 عاماً، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على عودة تدريجية لصناعة كانت في حالة انكماش طويل. فالبلاد، التي كانت يوماً أكبر منتج للذهب في العالم، فقدت هذا الموقع خلال العقود الماضية بسبب نضوب بعض المكامن السطحية، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتعقيدات العمل في المناجم العميقة.
هذه القفزة الأخيرة في الأسعار أعادت تسليط الضوء على احتياطيات لا تزال غير مستغلة، خصوصاً في الأعماق التي كانت تتطلب مستويات سعرية مرتفعة لتكون مجدية. ومع المستويات الحالية، باتت هذه المشاريع قادرة على توليد عوائد تغطي المخاطر التشغيلية، ما شجّع شركات على ضخ استثمارات جديدة وإعادة تشغيل مناجم توقفت لسنوات طويلة.
ولا تقتصر هذه الديناميكية على جنوب إفريقيا وحدها، إذ تشهد مناطق تعدين أخرى حول العالم تحركات مشابهة لإطالة عمر المناجم القائمة وتعزيز الإنتاج، مستفيدة من نافذة سعرية نادرة.
ورغم الحديث المتزايد عن «اندفاعة تعدين»، فإن المشهد الحالي يعكس في جوهره سباقاً على الإنتاج أكثر من كونه سباقاً على الاكتشاف. فعمليات اكتشاف مناجم جديدة تحتاج سنوات طويلة من الاستكشاف والدراسات البيئية والتراخيص، بينما تتيح الأسعار القياسية الحالية تحقيق نتائج أسرع عبر تعميق المناجم القائمة أو إعادة تشغيل مشاريع جاهزة تقنياً.
هذا الواقع دفع الشركات إلى التركيز على الأصول المعروفة، حتى وإن كانت عالية الكلفة، مستفيدة من الهوامش التي يوفّرها السعر القياسي للأونصة، في حين تبقى عمليات الاستكشاف الجديدة أكثر حذراً نظراً لطول أمدها وعدم وضوح عوائدها على المدى القصير.
ولم يقتصر أثر الطفرة السعرية على مواقع التعدين وخطط التشغيل، بل انعكس سريعاً على أسهم شركات التعدين العالمية، التي سجّلت ارتفاعات لافتة بالتوازي مع بلوغ الذهب مستويات غير مسبوقة. فقد شهدت أسهم كبار المنتجين موجة صعود مدفوعة بتوقعات تحسّن التدفقات النقدية وإعادة تشغيل أصول كانت خارج الخدمة.
ويُنظر إلى تحرّك أسهم التعدين باعتباره مؤشراً مبكراً على تحوّل في دورة القطاع، إذ عادة ما تسبق الأسواق المالية قرارات الاستثمار الميدانية، في ظل رهانات على توسّع الإنتاج وإطالة عمر المناجم القائمة.
رغم الزخم القوي، لا يخلو المشهد من تحديات. فارتفاع تكاليف الطاقة والعمالة، إضافة إلى القيود البيئية والتنظيمية، لا يزال يضغط على الشركات ويحدّ من قدرتها على التوسع السريع. كما تبقى استدامة هذا السباق مرهونة بمسار أسعار الذهب نفسها، التي تظل شديدة الحساسية لتحركات أسعار الفائدة العالمية وتطورات المشهد الجيوسياسي.
ومع ذلك، تشير المؤشرات الحالية إلى أن الذهب دخل مرحلة مختلفة، لم يعد فيها مجرد ملاذ آمن للمستثمرين، بل رافعة اقتصادية تعيد تنشيط قطاع التعدين العالمي، وتطلق سباقاً إنتاجياً لم تشهده الصناعة منذ سنوات طويلة.