
على الرغم من الارتفاعات القياسية التي يحققها الذهب في الأيام الأخيرة، والتي دفعت كثيراً من البنوك والمحللين إلى رفع توقعاتهم للأسعار خلال العام المقبل، فإن بعض المؤسسات المالية الكبرى لا تزال تتحفظ في نظرتها المستقبلية، معتبرة أن السوق قد تواجه تصحيحاً حاداً إذا تبدلت الظروف الاقتصادية والمالية التي تغذي موجة الصعود الحالية.
في أحدث تقاريرها، حذّرت مجموعة «سيتي غروب» من احتمال أن يتراجع سعر الذهب إلى حدود 2,500 دولار للأوقية خلال عامي 2025 و2026، إذا ما تراجعت التوقعات المتعلقة بخفض أسعار الفائدة الأميركية أو استعاد الدولار الأميركي قوته. وأشار التقرير، الذي نشره موقع «ساكسس ميد سيمبل» (Success Made Simple)، إلى أن الذهب قد يكون بالغ في تسعير المخاطر الجيوسياسية والركود المحتمل، ما يجعل أي تحسن اقتصادي مفاجئ سبباً كافياً لتصحيح الأسعار نزولاً.
أما «مجلس الذهب العالمي» فقد أشار في تحليل نُشر عبر موقع «ماركتس دوت كوم» (Markets.com) إلى سيناريو أكثر تحفظاً، يتوقع فيه أن يخسر المعدن النفيس ما يصل إلى 20% من مكاسبه الحالية في الأشهر المقبلة، إذا تراجعت التوترات السياسية وبدأ الاقتصاد العالمي في استعادة زخمه، خصوصاً مع احتمال تزايد جاذبية الأصول ذات العائد المرتفع مثل السندات الأميركية.
تحليلات أخرى نُشرت في مواقع متخصصة مثل «روبو فوركس» (RoboForex) و«ساكسس ميد سيمبل» رجّحت أن تتراوح أسعار الذهب بين 2,500 و3,000 دولار للأوقية في حال شهدت الأسواق انتعاشاً في الأسهم أو ارتفاعاً في عوائد السندات، مشيرة إلى أن الصناديق الاستثمارية المتداولة في الذهب قد تبدأ بتقليص حيازاتها إذا تغير المزاج العام للمستثمرين.
ويرى بعض المحللين أن الذهب دخل مرحلة «إفراط في الشراء» بعد أن تجاوزت مكاسبه أكثر من 25 في المئة خلال عام واحد، وأن أي مفاجأة من «الاحتياطي الفيدرالي» بشأن أسعار الفائدة يمكن أن تعيد التوازن إلى السوق سريعاً.
يعتمد الاتجاه المتشائم أساساً على ثلاثة عوامل مترابطة: استمرار تشديد السياسة النقدية الأميركية، وقوة الدولار، وتراجع المخاطر الجيوسياسية. وبحسب التقارير المذكورة، فإن إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول يزيد من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، ويعزز جاذبية الأصول ذات العائد. أما في حال تعافي الدولار، فإن ذلك يقلل الطلب على المعدن من قبل المستثمرين خارج الولايات المتحدة.
ويضاف إلى ذلك أن أي تهدئة في الأزمات العالمية أو تراجع في معدلات التضخم قد تقلل الطلب على الذهب كملاذ آمن، وهو ما يجعل الأسعار عرضة لتصحيح تدريجي، ربما يمتد من الربع الأخير من عام 2025 حتى منتصف 2026، بحسب تقديرات «سيتي غروب» و«مجلس الذهب العالمي».
في الوقت الذي يراهن فيه كثير من المستثمرين على استمرار الصعود القياسي للذهب، تبدو بعض المؤسسات المالية أكثر حذراً، محذّرة من أن موجة الارتفاع الحالية قد تخفي وراءها تصحيحاً حاداً إذا ما تبدلت الظروف الاقتصادية أو تحسنت المؤشرات الكلية العالمية. وبين تفاؤل البنوك الكبرى وتشاؤم التحليلات المستقلة، يبقى الذهب في موقعه المزدوج بين «الملاذ الآمن» و«المخاطرة المؤجلة».