
أثبتت الأسواق الخليجية قدرة استثنائية على الصمود أمام الأزمات والحروب في العقود الماضية، والتي تتجلى في الوقت الحالي رغم تصاعد التوتر الإقليمي بسبب حرب إيران، إلا أن بورصات المنطقة تعد الأقل تضرراً من الحرب.
فرغم الانخفاضات التي شهدتها الأسواق في الأيام الأولى من الحرب إلا أن التماسك يطغى على المؤشرات مقارنة بالأسواق العالمية بدعم قفزة أسعار النفط والأساسيات القوية للأسواق.
وأكد محللو أسواق المال لـ«إرم بزنس» قدرة بورصات الخليج على التعافي من الأوضاع الحالية، وتعويض ما شهدته من خسائر حال عدم اتساع نطاق الحرب.
ووفقا لمسح أجرته «إرم بزنس»، تراجعت القيمة السوقية لأسواق الخليج بنحو طفيف 0.03% بما يمثل 1.18 مليار دولار منذ بداية الحرب وحتى جلسة 13 مارس 2026 ( أول أسبوعين من الحرب) لتسجل القيمة السوقية للأسواق 4.053 تريليون دولار.
وخلال الأسبوعين الماضيين ارتفعت القيمة السوقية للسوق السعودية 5.3% بدعم قفزة سهم «أرامكو»، كذلك سجلت القيمة السوقية للبورصة العمانية ارتفاعا 4.6%.
وشهدت أسعار النفط قفزة بنحو 50% في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط مع تزايد المخاطر التي تهدد تدفقات الطاقة العالمية بعدما أوقفت طهران الشحن عبر مضيق هرمز.
قال نائب رئيس إدارة البحوث والإستراتيجيات الاستثمارية في «كامكو إنفست»، رائد دياب لـ«إرم بزنس» إن أسواق المال الخليجية شهدت ارتدادات متباينة تزامناً مع حرب إيران، حيث تضررت الإمارات والبحرين وقطر بشكل أكبر، فيما دعمت ارتفاع أسعار النفط ووجود بدائل لتصدير النفط في التأثير إيجابيا على سوق «تداول» السعودية.
وأضاف أنه رغم تصاعد الصراع إلا أن الخسائر كانت أقل من تلك التي شهدها الأسواق في أزمات أخرى.
فعلى سبيل المثال خسرت أسواق المال الخليجية نحو 200 مليار دولار في يوم واحد بعد الإعلان عن التعريفات الجمركية في أبريل الماضي، وهذا إلى حد كبير لم يحدث بعد بدء حرب إيران الحالية.
وأكد دياب أن بعض الأسواق عوضت وبنسبة كبيرة خسائرها في الفترة الأخيرة مع استيعاب الصدمة وحسن تقييم المستثمرين لتداعيات الحرب في الوقت الراهن.
ولفت إلى إجراءات حدت من الخسائر، حيث علقت بعض الأسواق المالية أداءها بشكل كامل لمدة قصيرة لاحتواء أي تراجعات كبيرة للسوق، وهذا لم يحدث في فترات سابقة كأزمة تفشي فيروس كوفيد-19، حيث استمر التداول مع إجراءات احترازية.
أكد عضو المجلس الاستشاري الوطني لمعهد «سي آي إس آي» (CISI) وضاح الطه، أن أسواق الخليج تفاعلت بشكل متباين مع الظروف والتغيرات الأخيرة في السنوات الماضية بداية من حرب الخليج في 1990 مروراً بحرب حزب الله في 2006 والربيع العربي وأزمة كورونا.
وقال إن الأسواق تشهد عادة انخفاضات يعقبها ارتداد يعوض الخسائر، مشيراً إلى أن حرب إيران تختلف عن سابقها من الأحداث في أن الحرب طالت مؤسسات اقتصادية ومنشآت مدنية في المنطقة.
وشدد الطه على أن تراجعات أسواق المنطقة عقب اندلاع الحرب لم تكن مدعومة بأحجام تداول خاصة في أسواق الإمارات، مشيراً إلى انخفاض السيولة في سوق دبي وأبوظبي بنحو 42% و 45% على التوالي وكذلك باقي أسواق الخليج تزامناً مع انخفاض المؤشرات.
وذكر أنه من الناحية الفنية عندما تكون الانخفاضات غير مدعومة بقيم تداول تكون الارتدادات والعودة سهلة عندما تتحسن نفسية المستثمرين.
فيما يخص القطاعات، أشار دياب إلى أن أسهم الطيران في المنطقة تضررت بشكل ملحوظ مع إغلاق المطارات في العديد من دول المنطقة، كما تأثرت شركات الشحن البحري والقطاع السياحي.
وألمح نائب رئيس إدارة البحوث إلى تعرض قطاعي العقار والبناء أيضا لضغوط بيعيه حيث قد تواجه بعض المشاريع التأجيل مع تراجع شهية الأجانب، لافتاً إلى تأثر القطاع المصرفي والخدمات المالية كذلك بالأوضاع.
فيما عززت اسهم قطاع الطاقة من مكاسبها بعد ارتفاع أسعار النفط بشكل ملحوظ، حيث قاربت نسبة صعود خام برنت 70% منذ بداية العام وحتى تاريخه.
وأكد الطه أن القطاعات تباينت من حيث تذبذبها وتفاعلها مع الأزمات، موضحاً أن ارتفاع النفط صاحبه ارتفاعات ملحوظاً في أسهم الطاقة وهو ما تجلى في أداء سهم «أرامكو السعودية» والذي انعكس على أداء «تاسي»، حيث شهد ارتفاعات متتالية بعد إعلان الحرب.
ولفت إلى أن التراجعات التي طالت أسهم قطاع العقارات نتيجة لتراجع الطلب قد تكون مؤقته حيث تتمكن أسهم القطاع من الارتداد بشكل إيجابي قريباً.
واعتب أن تأثير الحرب طفيف على بعض القطاعات مثل القطاعات الدفاعية كالشركات العاملة في الماء والكهرباء التي يكون فيها التذبذب أقل من مؤشر السوق.
عن التوقعات المستقبلية لأداء أسواق المنطقة في القترة المقبلة، أشار نائب بحوث «كامكو» إلى أن ذلك يعتمد على سيناريوهات مدة استمرار الحرب.
فإذا توقفت الحرب خلال شهر أو أقل، فهذا من شأنه أن يؤدي الى عودة تدريجية للثقة والاستقرار وانتعاش للقطاعات المتضررة، والبدء مرة أخرى في الطروحات وإصدار أدوات الدين والعودة الى ترسية المشاريع، مع التوقعات ببقاء أسعار النفط مرتفع على المدى القصير.
وفقاً لدياب، في حال طالت الحرب لفترة أطول من الشهر، من المتوقع رؤية ضغوط وتحركات قد تكون غير متوازنة مع ارتفاع التضخم الذي قد يبقي أسعار الفائدة مرتفع لفترة من الوقت، وهذا ما يضر بعمليات التسهيلات الائتمانية للشركات والأفراد.
ورجح حينها أن تستمر معاناة قطاعات السياحة والطيران والعقار، وقد يؤدي ذلك الى تجميد مؤقت للخطط التطويرية والمشاريع في القطاعات غير النفطية خاصة إذا ما استمر إغلاق مضيق هرمز وبقيت صادرات النفط والغاز محدودة لبعض الدول الخليجية.
لكن سيناريو أن تطول الحرب لأكثر من 6 أشهر، قد يكون سلبياً أكثر على الأسواق المالية مع معاودة تقييم العديد من المستثمرين والصناديق للمخاطر وقد نرى خروج أكبر لرؤوس الأموال وانكماش أكبر للقطاعات الغير نفطية، وتعاظم الضغوط التضخمية وتوقف بشكل اكبر للمشاريع الحيوية مع التوقعات بتراجع الإيرادات النفطية بشكل حاد لبعض دول المنطقة.
رأى الطه أنه حال بلغ أمد الحرب بين شهر و3 أشهر مع عدم اتساع نطاق الحرب فحينها تكون الأسواق قادرة على امتصاص الانخفاضات السابقة، وهو ما تجلى في أداء أسواق الخليج في الأسبوع الثاني من الحرب خاصة مع استيعاب أسهم قطاع البنوك وتأثرها بعوامل أخرى كترقب قرار خفض الفائدة.
وأشار إلى أن الأسواق تشهد استمرار مارثون نتائج الأعمال السنوية والتي قد يصحبها توزيعات أرباح مما يؤدي إلى ضخ سيولة إضافية خلال الفترة المقبلة في الأسواق، مؤكداً أن لدى الأسواق قدرة مقاومة ومرونة عالية حيث تشهد انخفاضات مع بداية الأزمات ولكن سرعان ما ترتد وتعوض تلك الخسائر.