
تتسع الفجوة بين الاقتصادات في قدرتها على جذب رؤوس الأموال، مع تزايد توجه الاستثمارات الأجنبية نحو مشاريع صناعية وتكنولوجية كبرى تستقطب بدورها استثمارات إضافية في المعدات والمكونات والخدمات، ما يمنح الدول المستضيفة فرصة لتعزيز موقعها في المنافسة العالمية.
وتكتسب هذه التحولات أهمية أكبر مع تحذير «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية - الأونكتاد» (UNCTAD) من تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي إلى 2.6% خلال 2026 واتساع الفجوات بين الاقتصادات النامية، في وقت تتفاوت فيه قدرتها على مواجهة الضغوط الاقتصادية والتمويلية.
وفي سوق الاستثمار الأجنبي، لا تتحدد المكاسب بقيمة المشروع الذي تستقبله الدولة وحده، بل بحجم الأنشطة التي يمكن أن تنشأ حوله، من مصانع الرقائق ومراكز البيانات إلى موردي المواد الصناعية وأنظمة الطاقة والتبريد، بما يعزز جاذبية الاقتصادات التي تمتلك شبكات إنتاج متكاملة.
وتكشف أرقام سابقة لـ«الأونكتاد» حجم هذا التحول، بعدما قفزت قيمة مشاريع الاستثمار الأجنبي الجديدة المعلنة في خمسة قطاعات استراتيجية إلى 576 مليار دولار خلال 2025، مقابل 109 مليارات دولار في 2020، لترتفع حصتها من إجمالي قيمة المشاريع العالمية من 16% إلى 44% خلال خمس سنوات.
ويطرح هذا التركز سؤالاً اقتصادياً يتجاوز حجم الأموال المعلنة: إلى أي مدى أصبحت الدول التي تستقطب المشاريع الكبرى أكثر قدرة على جذب الاستثمارات اللاحقة، وما الفرص المتاحة أمام الاقتصادات الأخرى للدخول في سلاسل التوريد الجديدة؟
تظهر آلية تراكم الاستثمارات في صناعة أشباه الموصلات، حيث يمتد أثر إنشاء مصنع متقدم إلى الشركات التي توفر المواد الكيميائية والغازات الصناعية والمكونات والخدمات الهندسية.
وفي ولاية أريزونا الأميركية، أصبحت استثمارات شركة «تي إس إم سي» (TSMC) التايوانية محوراً لتطوير منظومة صناعية أوسع للرقائق، مع التوسع في الإنتاج والتغليف المتقدم والبحث والتطوير.
ووصل إجمالي استثمارات الشركة المعلنة والمخططة في الولاية إلى 265 مليار دولار خلال 2026، تشمل مصانع للرقائق ومنشآت للتغليف المتقدم ومركزاً للبحث والتطوير.
ويمنح حجم الإنتاج المستهدف الموردين مؤشراً على الطلب المستقبلي، ما يعزز جدوى إنشاء مصانع وخدمات بالقرب من المنشآت الكبرى، ويخفض بعض تكاليف التوريد والتشغيل.
وفي مارس 2026، وقعت أريزونا اتفاقية تعاون مع جهات في تايوان واليابان لتعزيز سلاسل توريد أشباه الموصلات وتطوير المهارات والبحث والتطوير، في خطوة تعكس انتقال المنافسة من استقطاب مصنع منفرد إلى بناء شبكة إنتاج متكاملة حوله.
لا يقتصر هذا النمط على أشباه الموصلات، بل يمتد إلى قطاعات تشمل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيات المتقدمة والحساسة، والمعادن الحيوية، وتقنيات وخدمات تحول الطاقة.
وتكشف بيانات «الأونكتاد» أن أكبر ثلاثة اقتصادات مستقبلة استحوذت، في المتوسط عبر القطاعات الاستراتيجية الخمسة، على 56% من قيمة المشاريع الجديدة المعلنة خلال 2025، مقابل 72% لأكبر ثلاثة اقتصادات مصدرة للاستثمار.
وتبرز الفجوة في الاقتصادات منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، التي حصلت على نحو 10% فقط من قيمة الاستثمارات الجديدة في القطاعات الاستراتيجية بين 2020 و2025، مقابل أكثر من 20% في القطاعات الأخرى.
في الوقت نفسه، انخفضت قيمة مشاريع الاستثمار الأجنبي الجديدة المعلنة في الصناعات التحويلية خارج القطاعات الاستراتيجية بنسبة 17% خلال الفترة من 2021 إلى 2025، مقارنة بالفترة من 2015 إلى 2019.
وتعكس هذه الأرقام تغير شروط المنافسة، إذ بات جذب المشاريع الكبرى يتطلب مهارات متخصصة وبنية صناعية وشبكات توريد، إلى جانب الحوافز الاستثمارية التقليدية.
تضيف هذه الخريطة بعداً مهماً لدول الخليج، التي تمتلك فرصة للمشاركة في التحول من موقعين مختلفين: الاستثمار في أصول التكنولوجيا والبنية التحتية خارج المنطقة، وتطوير صناعات محلية تستفيد من الطلب العالمي على المعدات والمكونات.
وتبرز الإمارات في المسار الأول، بعدما احتلت المرتبة الثالثة عالمياً من حيث قيمة مشاريع الاستثمار الأجنبي الجديدة المعلنة في الخارج خلال 2025، بقيمة بلغت 109.23 مليار دولار، وفق دراسة لـ«بنك الإمارات دبي الوطني» استندت إلى بيانات «إف دي آي ماركتس».
في المقابل، استقطبت الدولة مشاريع أجنبية جديدة معلنة بقيمة 33.2 مليار دولار خلال العام نفسه، بزيادة سنوية بلغت 78%، ما يعكس حضورها على جانبي حركة رأس المال العالمي.
وتقدم شركة «إم جي إكس» (MGX) مثالاً على توسع الاستثمارات الخليجية في البنية الرقمية، بعدما أكملت في يوليو 2026، ضمن تحالف يضم «الشراكة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي» (AIP) و«غلوبال إنفراستركتشر بارتنرز» (Global Infrastructure Partners) التابعة لـ«بلاك روك» (BlackRock)، الاستحواذ على شركة «ألايند داتا سنترز» (Aligned Data Centers).
وبلغت القيمة المؤسسية للصفقة نحو 40 مليار دولار، فيما تضم محفظة الشركة 51 مجمعاً لمراكز البيانات، بطاقة تشغيلية ومخططة تتجاوز 6.4 غيغاواط، موزعة بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية.
وفي السعودية، يبرز مسار صناعي موازٍ يرتبط بالمكونات التي تحتاجها البنية الرقمية، إذ تعرض «منصة القطاع الخاص» التابعة لـ«صندوق الاستثمارات العامة» فرصاً لتوطين صناعة المكونات الإلكترونية السلبية وتجميع أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية المستخدمة في شبكات الاتصالات ومراكز البيانات.
وتقدر المنصة فجوة المعروض المحلي في المكونات الإلكترونية السلبية بنحو ملياري وحدة سنوياً، ما يفتح مجالاً أمام المصنعين للاستفادة من الطلب على الخوادم ومعدات الاتصالات والأنظمة الإلكترونية.
وتعكس هذه الفرص إمكانية تحويل الإنفاق على التكنولوجيا إلى طلب صناعي محلي، بدلاً من اقتصار الاستفادة على تمويل المشاريع الكبرى أو استضافتها.
تؤكد بيانات النصف الأول من 2026 استمرار تحول وجهة رأس المال العالمي، بعدما استحوذت مراكز البيانات على 24.5% من قيمة مشاريع الاستثمار الأجنبي الجديدة المعلنة، باستثمارات تقديرية تجاوزت 131 مليار دولار.
وجاء ذلك ضمن مشاريع عالمية بلغت قيمتها نحو 538 مليار دولار، فيما استقطبت الطاقة المتجددة أكثر من 73 مليار دولار، وأشباه الموصلات نحو 38.8 مليار دولار.
لكن هذه الأرقام لا تعكس توسعاً شاملاً في الاستثمار؛ فقد جاءت القيمة الإجمالية للمشاريع المعلنة خلال النصف الأول من 2026 أقل من الفترات المقابلة في السنوات الأربع السابقة، بينما تراجع عدد المشاريع العملاقة التي تتجاوز قيمة الواحد منها مليار دولار إلى 59 مشروعاً.
وتشير هذه المفارقة إلى إعادة توزيع رؤوس الأموال نحو صناعات محددة، أكثر من كونها طفرة استثمارية عامة، بما يزيد من أهمية امتلاك الدول قدرات إنتاجية وخدمية مرتبطة بهذه الصناعات.
وبذلك، قد لا يُحسم سباق الاستثمار العالمي بمن يستقطب المشروع الأكبر، بل بمن يستطيع الحصول على الحصة الأكبر من الاستثمارات التي تأتي بعده.