
منذ أواخر عام 2024، بدأت الكويت اتخاذ إجراءات قانونية لمراجعة ملفات الجنسية وسحبها في بعض الحالات، طالت، بحسب تقديرات غير رسمية، نحو 70 ألف شخص، من بينهم رجال أعمال وشخصيات بارزة في عالم الاستثمار. وكان أحدث الأسماء التي سلطت التقارير الضوء عليها الملياردير محمود حيدر، المعروف باستثماراته الكبيرة في الكويت، خصوصاً في قطاعات المستشفيات والفنادق والبنوك.
وبالتوازي مع هذه الإجراءات، برز تساؤل اقتصادي بشأن مصير الأصول والاستثمارات المملوكة للأشخاص الذين سُحبت جنسياتهم، وكيفية التعامل مع الشركات والعقارات والحقوق المالية المرتبطة بهم.
وبحسب خبراء اقتصاديين كويتيين تحدثوا لـ«إرم بزنس»، اعتمدت الكويت إطاراً قانونياً يتيح مهلة لتصحيح الأوضاع وتسوية المراكز القانونية، مع اتخاذ تدابير تهدف إلى حماية الاستثمارات وضمان استمرار الأنشطة الاقتصادية خلال فترة مراجعة الملفات، بما يحافظ على حقوق أصحاب المصالح والعاملين في الشركات المعنية.
ويرى الخبراء أن هذه الإجراءات تستهدف الفصل بين الوضع القانوني المتعلق بالجنسية والحقوق الاستثمارية والملكية، مؤكدين أن وضوح الإجراءات والضمانات القانونية عامل أساسي في الحفاظ على ثقة المستثمرين.
وقال مصدر كويتي لـ«إرم بزنس» إن قرارات سحب الجنسية لم تضر بالمستثمرين من الناحية الاقتصادية، موضحاً أن الحالات التي تشمل رجال أعمال، ومن بينها حالة محمود حيدر، تخضع لإجراءات قانونية تتضمن مهلة لتصحيح الأوضاع، إلى جانب ترتيبات لإدارة بعض الأصول من خلال جهات غير حكومية أو شبه حكومية، بهدف الحفاظ على الشركات والعاملين فيها والقيمة الاقتصادية التي تمثلها، إلى حين حسم أوضاعها القانونية.
لا تتوافر إحصاءات رسمية تفصيلية توضح عدد المستثمرين ورجال الأعمال الذين شملتهم قرارات سحب الجنسية، لكن عدداً من الحالات البارزة حظي باهتمام إعلامي خلال العامين الماضيين.
وفي 4 أكتوبر الجاري، نشرت «الكويت اليوم»، الجريدة الرسمية في الكويت، قرار سحب الجنسية من رجل الأعمال الملياردير محمود حيدر. وتشير تقارير غير رسمية إلى أن ثروته تتجاوز 1.6 مليار دولار.
وتوسعت الإمبراطورية الاقتصادية لحيدر وعائلته منذ بروزها في الكويت خلال تسعينيات القرن الماضي، لتشمل قطاعات البنوك والاستثمار والعقارات والطاقة والرعاية الصحية والذهب، من خلال شركات قابضة واستثمارية وكيانات مرتبطة بأفراد من الأسرة، وفقاً للتقارير ذاتها.
وفي نوفمبر 2024، سُحبت الجنسية الكويتية من سالم الشيخ صالح الهندي، رجل الأعمال والرئيس التنفيذي لشركة «روتانا» للصوتيات والمرئيات، بعد 16 عاماً من حصوله عليها في عام 2008، بحسب المعلومات المتداولة بشأن القضية، لا سيما أنه يحمل جنسية أخرى.
وفي الشهر نفسه، سُحبت الجنسية الكويتية من الملياردير معن الصانع، الذي عُرف خلال العقود السابقة بامتلاكه مجموعة من الشركات العاملة في قطاعات متعددة، من بينها البنوك والعقارات والإنشاءات والرعاية الصحية، وهو أيضاً يحمل جنسية أخرى.
وتسلط هذه الحالات الضوء على جانب يتجاوز مسألة الجنسية، يتعلق بكيفية تنظيم الملكية وإدارة الأصول وضمان استمرار الشركات والأنشطة التجارية، خصوصاً عندما ترتبط تلك الأصول باستثمارات واسعة وعلاقات مالية وتشغيلية معقدة.
قال الخبير الاقتصادي الكويتي، نادر العبيد، في حديث لـ«إرم بزنس»، إن «الإجراءات المتعلقة بسحب الجنسية في دولة الكويت لا تؤثر من منظور اقتصادي على حقوق الملكية، بل تساهم في حماية الاستثمارات عبر قوانين تحفظ حق الجميع»، مشدداً على ضرورة الفصل التام بين مسألة الجنسية ومفهوم الثروة.
وأوضح العبيد أن «القوانين الكويتية تسمح للمستثمر الأجنبي بالاستثمار وممارسة النشاط الاقتصادي دون اشتراط الحصول على الجنسية الكويتية»، مؤكداً أنه «طالما كان الوضع القانوني لأي شخص مطابقاً للمتطلبات والشروط لدى الجهات الرقابية، فإن حقوقه الاستثمارية تظل مصونة بالكامل بموجب اللوائح والتشريعات».
وأشار إلى «عدم دقة وضع تصنيفات أو مسميات محددة لمفهوم رجل الأعمال للتنبؤ بمدى تأثره من عدمه أو محاولة ربط ذلك بتأثيرات سلبية على الاقتصاد الوطني».
وأوضح أن «هناك الكثير من الأفراد والأسر والورثة ممن يملكون عقارات وأصولاً ضخمة بصفة عائلية دون وجود نماذج لإدارة شركات تجارية، ما يجعل تصنيف رجل أعمال منطقة رمادية غير دقيقة، ولا يمكن حصرها أو قياسها بأعداد محددة في المراسم الأخيرة».
وفيما يتعلق بالتأثير الاقتصادي ومصير ثروات وأصول من سُحبت جنسياتهم، بيّن العبيد أن «الدولة الكويتية أنصفت الجميع من خلال منح مهلة محددة لتعديل الأوضاع القانونية وممارسة الحقوق خلال هذه الفترة، ليتسنى للكيان الاستثماري التكيف مع الوضع القانوني الجديد والاستمرار في استثماراته»، واصفاً هذه الخطوات بأنها «نموذج يُدرّس في حفظ حقوق المواطنين وغير المواطنين داخل المجتمع الكويتي».
وأضاف أنه «بالنسبة للحالات التي لا تزال في المنطقة الرمادية، بادرت الحكومة لحماية الشركات والمساهمين والأصول، من خلال تكليف جهات شبه حكومية وذات سمعة عالية لإدارة تلك الأصول ومتابعة الإجراءات وممارسة حقوق التمثيل في الجمعيات العمومية لحين اتضاح الرؤية ومراجعة الأوراق، وذلك ضماناً لعدم إلحاق الضرر بأي كيان أو شركة أو مستثمر».
وحول انعكاس هذه القرارات على ثقة المستثمرين ورأس المال المحلي والأجنبي، أكد الخبير الاقتصادي نادر العبيد أن «وضوح القوانين والمعايير والشفافية العالية يعزز ثقة البيئة الاستثمارية ويدعم جذب الاستثمارات الجديدة المحلية والإقليمية والأجنبية»، مشيراً إلى أن «تطبيق القانون وإنهاء الممارسات غير المشروعة يبعث برسالة إيجابية للمستثمر المنتظم والمتزن بقوانين الدولة».
بدوره، قال المحلل الكويتي طارق بروسلي، في حديث لـ«إرم بزنس»: «في الوقت الذي تمارس فيه الدولة سيادتها فيما يتعلق بسحب الجنسيات وتصحيح الهوية الوطنية، فقد أكدت وعلى لسان أرفع المسؤولين أنه لا مساس بحقوق من سُحبت جنسياتهم؛ حيث سيتم منحهم إقامة وفترة زمنية مناسبة لتعديل أوضاعهم، بما يضمن صون تلك الحقوق».
وشدد بروسلي على أن «ممارسة الدولة لسيادتها وقراراتها في هذا الشأن تأتي في إطار اتخاذ الإصلاحات اللازمة كافة لضمان أمنها واستقرارها»، مؤكداً أن تلك القرارات لم تؤثر على الاستثمار ولا الاقتصاد، ولكنها انتهجت نهج القانون وحافظت على البلاد والاستثمارات معاً.
ويتمثل الجانب الاقتصادي الأبرز في هذه الملفات في كيفية التوفيق بين الإجراءات القانونية المتعلقة بالجنسية، من جهة، والحفاظ على حقوق الملكية واستمرارية الشركات والوظائف والالتزامات التعاقدية، من جهة أخرى، خصوصاً في الحالات التي ترتبط فيها الأصول بقطاعات حيوية أو باستثمارات طويلة الأجل.
بدأت الكويت، منذ عام 2024، حملة واسعة ومستمرة تقودها اللجنة العليا لتحقيق الجنسية الكويتية لمراجعة ملفات الجنسية. وبحسب تقرير أممي صدر في يونيو الماضي، تأثر نحو 70 ألف شخص بالتدابير الجديدة، في حين لم تصدر الكويت إحصاءات رسمية شاملة توضح إجمالي عدد الأشخاص الذين سُحبت جنسياتهم.
وبحسب تقديرات غير رسمية، يبلغ عدد المواطنين الكويتيين نحو 1.6 مليون نسمة، يمثلون قرابة 30% من إجمالي السكان، بينما يبلغ عدد المقيمين غير الكويتيين نحو 3.74 مليون نسمة، أي ما يعادل نحو 70% من إجمالي السكان.
وتشير تقارير غير رسمية إلى أن قرارات سحب الجنسية استندت إلى مواد قانونية تتعلق بحالات الغش أو تقديم أقوال كاذبة أو امتلاك جنسيات أخرى، في ظل القيود التي يفرضها القانون الكويتي على ازدواج الجنسية، إلى جانب حالات مرتبطة بالمصلحة العامة.
وفي يوليو 2025، أعلنت وزارة الداخلية ومجلس الوزراء ضوابط قانونية لتنظيم إدارة الأصول والأنشطة التجارية الخاصة ببعض الأشخاص الذين سُحبت جنسياتهم، ولا سيما المنتمين إلى فئة «الأعمال الجليلة»، بهدف تسهيل تسوية أوضاعهم ومراعاة الجوانب الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بهذه الملفات.
وتتضمن الضوابط منح مهلة تصل إلى 5 سنوات للشركات والأنشطة التجارية، بما يتيح لأصحاب العلاقة تعديل أوضاعهم القانونية وتسوية الملكيات وفق الإجراءات المحددة.
كما تشمل المهلة إتاحة المجال أمام نقل ملكية العقارات التجارية والاستثمارية والصناعية، إلى جانب الأراضي الفضاء المملوكة ملكية خاصة، من خلال البيع أو الهبة أو التنازل، بما يسمح بتسوية الأوضاع القانونية لهذه الأصول خلال الفترة المقررة.
وتكتسب هذه المهلة أهمية اقتصادية بالنظر إلى أن الأصول العقارية والاستثمارات التجارية والصناعية لا ترتبط بمالكيها فقط، بل تتصل أيضاً بالعاملين والمساهمين والموردين والمستأجرين والجهات المتعاملة معها، وهو ما يجعل إدارة المرحلة الانتقالية عاملاً مؤثراً في الحد من اضطراب الأنشطة الاقتصادية.
وفي المحصلة، تظل كيفية تطبيق الضوابط القانونية، ومدى وضوح إجراءات نقل الملكية وإدارة الأصول وتسوية المراكز القانونية، عناصر أساسية في تحديد الأثر الفعلي لهذه القرارات على المستثمرين والشركات. وبينما تؤكد آراء الخبراء الواردة في القصة أهمية حماية الحقوق واستمرارية النشاط الاقتصادي، يبقى التقييم الشامل للنتائج مرتبطاً بتوافر بيانات رسمية أكثر تفصيلاً عن الحالات المشمولة والإجراءات التي اتُخذت بشأن أصولها واستثماراتها.