logo
مقالات الرأي

رفاهية الموظفين.. أولوية لقيادات الشركات في أوقات عدم اليقين

%44 من الموظفين حول العالم يعانون من ضغوط نفسية

رفاهية الموظفين.. أولوية لقيادات الشركات في أوقات عدم اليقين
موظفون في برج مكاتب خلال ساعات المساء في بكين، الصين، بتاريخ 27 مارس 2025.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

أصبح «عدم اليقين» جزءاً لا يتجزأ من البيئة التشغيلية للعديد من الشركات في دول مجلس التعاون الخليجي؛ حيث تتغير سلاسل الإمداد بسرعة، وتبرز الحاجة لتكييف خطط الأعمال في فترات وجيزة، ويُطالب القادة غالباً باتخاذ قرارات حاسمة في سياقات متسارعة التحول. وبينما تعلّمت المؤسسات كيف تستجيب لهذه التحديات على المستوى العملياتي، يظل الجانب الأقل نقاشاً هو كيفية تأثير هذه البيئة على العنصر البشري داخل المنظمة.

فعندما تستمر حالة «عدم اليقين» لفترة طويلة، تظهر آثارها بطرق خفية؛ إذ يصعب الحفاظ على التركيز، وتتباطأ عملية اتخاذ القرار، وقد تنحرف المحادثات الجانبية نحو التكهنات بدلاً من الوضوح. وهنا يأتي دور القيادة للتدخل، ليس فقط لإدارة العمليات، بل لإدارة الأثر النفسي والحيوي لعدم اليقين، إذ إن تجاهل هذا البعد قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على المدى الطويل.

أخبار ذات صلة

مارك زوكربيرغ وشعار مجموعة «ميتا» ضمن صورة توضيحية ملتقطة في فرنسا، يوم 11 أبريل 2025

«ميتا» تخطط لتسريح موظفين وسط تزايد تكاليف الذكاء الاصطناعي

كيف يغير عدم اليقين طبيعة العمل؟

في بداية أي أزمة أو اضطراب، غالباً ما تستجيب فرق العمل بعزيمة وروح جماعية عالية. بيد أن التحدي الأكبر يظهر عندما يطول أمد حالة «عدم اليقين»؛ حيث يمتص الموظفون ضغوطاً مستمرة من خارج بيئة العمل، سواء كانت ناجمة عن تغير الروتين، أو المخاوف الاقتصادية، أو المسؤوليات العائلية، أو الإجهاد العام الذي يفرضه غياب الرؤية الواضحة. ومع مرور الوقت، تتراكم هذه الضغوط وتبدأ في النيل من الأداء.

وتشير أبحاث مؤسسة «غالوب» إلى أن حوالي 44% من الموظفين حول العالم يعانون من ضغوط نفسية كبيرة في العمل خلال اليوم العادي، وتتفاقم هذه الضغوط في فترات التقلبات. وبالنسبة للمنظمات، يتجلّى هذا الأثر في مستويات الارتباط الوظيفي، وكفاءة التعاون، وسرعة اتخاذ القرارات؛ فالإجهاد يقلص نطاق الانتباه، ويدفع الفرق للتركيز على المشكلات الآنية بدلاً من التفكير الإستراتيجي طويل المدى. وفي مثل هذه الفترات، تكتسب سلوكيات القيادة أهمية استثنائية.

ما مصير الوظائف خلال العقد المقبل؟
ما مصير الوظائف خلال العقد المقبل؟ المصدر: إرم بزنس

التواصل.. الأداة الفعالة لملء الفراغ المعلوماتي

من أبرز السمات المشتركة في المنظمات المرنة هي كيفية تواصل قادتها أثناء فترات عدم الاستقرار؛ فالموظفون نادراً ما يتوقعون من القادة امتلاك إجابات قطعية لكل شيء، لكنهم يتطلعون إلى الصدق، والشفافية، والرسائل المطمئنة.

وتؤكد أبحاث شركة «ماكينزي» أن الموظفين الذين يشعرون باطلاعهم الكافي على قرارات الشركة يظهرون مستويات أعلى من الارتباط الوظيفي وثقة أقوى في القيادة.

لذا، تعتمد المنظمات التي تنجح في عبور فترات عدم اليقين على عادات بسيطة ومستمرة، مثل: التحديثات الأسبوعية، والاجتماعات الدورية للاطمئنان على الفرق، وفتح قنوات مباشرة للاستفسارات. ولا يشترط أن يكون محتوى هذه المحادثات درامياً؛ فأحياناً يكفي توضيح ما تغير وما بقي ثابتاً، والخطوات التي تتخذها المنظمة للبقاء في جاهزية تامة. إن هذا الإيقاع في التواصل ضروري جداً، لأنه في غياب المعلومة الرسمية، تملأ التكهنات والافتراضات ذلك الفراغ.

الرفاهية النفسية.. قضية أعمال جوهرية

في العديد من الشركات داخل المنطقة، لم تعد رفاهية الموظفين مجرد بند ثانوي في أجندة الموارد البشرية، بل أصبحت قضية قيادية بامتياز، ولها تداعيات مباشرة على الإنتاجية، واستبقاء الكفاءات، والمرونة التنظيمية.

وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن الاكتئاب والقلق يكلفان الاقتصاد العالمي نحو تريليون دولار سنوياً نتيجة فقدان الإنتاجية. وهذا تذكير جلي بأن الضغوط النفسية لا تظل شأناً شخصياً لفترة طويلة، بل سرعان ما تنعكس على أداء الفرق واستمرارية الأعمال.

ودعم رفاهية الموظفين لا يتطلب دائماً برامج معقدة؛ ففي كثير من الأحيان، تصنع الخطوات العملية الفرق الأكبر. فالمديرون الذين يقرون بوجود الضغوط علانية، ويعملون على موازنة أعباء العمل عند الضرورة، ويخلقون إيقاعاً متوقعاً لفرقهم، يمكنهم تقليل مستويات التوتر بشكل ملحوظ. كما أن تدريب المشرفين على رصد العلامات المبكرة للاحتراق الوظيفي لا يقل أهمية، فكثير من المديرين يرغبون في المساعدة لكنهم لا يدركون كيفية بدء هذه المحادثات. وفي أوقات عدم اليقين، يفوق الوضوح والتعاطف القيادي في أهميتهما السياسات الرسمية الجامدة.

أخبار ذات صلة

الموظفون الأصحاء نفسياً وجسدياً يتمتعون برؤية إيجابية تجاه الحياة

احتضان الصحة والسعادة في مكان العمل: أهمية الرفاهية الوظيفية

الارتباط الوظيفي يتطلب اهتماماً متعمداً

لا يستمر الارتباط الوظيفي من تلقاء نفسه؛ فخلال فترات عدم اليقين، قد تضعف الروابط المهنية ما لم يبذل القادة جهداً واعياً للحفاظ عليها. والمنظمات التي تحافظ على الروح المعنوية العالية أثناء التقلبات هي تلك التي تركز على الحضور القيادي، وسهولة الوصول للمسؤولين، والاتساق في المواقف. ففي هذه المنظمات، يتواجد القادة في الميدان، وتجري الفرق نقاشات تتجاوز المهام الآنية، ويُمنح الموظفون مساحة للتعبير عن مخاوفهم بدلاً من الاكتفاء باستقبال القرارات.

إن هذه الممارسات تعزز رسالة بسيطة لكنها محورية: «نحن نجتاز هذا التحدي معاً ككيان واحد». وهذا الشعور بالاتساق والاتجاه المشترك يساعد الموظفين على البقاء في حالة تركيز والتزام، حتى وإن ظل المحيط الخارجي مضطرباً.

الذاكرة المستدامة لفترات عدم اليقين

في نهاية المطاف، لا بد أن تنحسر فترات عدم اليقين؛ إذ تتكيف الأسواق، وتستقر روتينات الأعمال، وتبدأ الثقة بالعودة. ومع ذلك، فإن ما يظل محفوراً في ذاكرة الموظفين هو "كيف تصرفت المنظمة خلال تلك الفترة الصعبة". سيتذكرون ما إذا كان القادة قد تواصلوا بوضوح، وما إذا كان المديرون قد قدّروا الضغوط التي تعرضوا لها، وما إذا كانت الشركة قد خلقت بيئة داعمة أم اكتفت بالصمت.

إن تلك التجارب هي التي تشكل «الثقة» طويلة الأمد. وبالنسبة للشركات في دول مجلس التعاون الخليجي، تعتمد المرونة المؤسسية بشكل متزايد على حماية هذه الثقة، خاصة عندما تظل الظروف غير متوقعة. فرغم أهمية الرشاقة العملياتية والانضباط المالي، يبقى أهم أصل تمتلكه أي منظمة في أوقات الأزمات هو ثقة موظفيها وإيمانهم بها.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف