
أفرزت الأزمة الناشئة في المنطقة توجهات متباينة في أسواق العقارات السكنية في دبي؛ ففي حين شهد السوق العقاري الأساسي المخصص للتملك تراجعاً ملحوظاً خلال ذروة أشهر الحرب، بدأ الآن يظهر علامات تعافٍ مبشرة. وفي المقابل، أبدت أسواق الإيجار مرونة مفاجئة تجاوزت التوقعات، بل وسجلت بعض المناطق مؤشرات واضحة على نقص المعروض.
وكانت ردة الفعل الأولية في سوق التملك الرئيسي تجاه الحرب الأميركية الإيرانية قد اتسمت بحالة من الذعر المفرط والمخاوف المتصاعدة، مما دفع المشترين الدوليين إلى إرجاء صفقات الشراء، مفضلين تبني سياسة الترقب والانتظار.
ورغم أن أحدث البيانات الصادرة عن المبيعات العقارية لشهري مايو ويونيو تشير إلى ملامح منحنى تعافٍ مرتقب، فإن أنظار المستثمرين باتت تتجه بشكل متزايد نحو سوق الإيجارات. وإذا كانت التداعيات الأولى للأزمة قد أدت إلى إضعاف مؤقت في حجم الطلب من جانب المشترين في سوق التملك، فإن طلب المستأجرين لم يشهد تباطؤاً يُذكر، على الرغم من حالة الركود والتباين التي خيمت على حركة التوظيف العامة.
أظهر الطلب الصادر عن المقيمين والذين يتخذون من الدولة مقراً لعيشهم وأعمالهم استقراراً ملحوظاً. وعادةً ما يؤدي الطلب المدفوع بالمستخدم النهائي ــ لا سيما في سوق التملك ــ إلى خفض حدة التقلبات السعرية، وتمديد فترات الاحتفاظ بالأصول، وتحقيق معدلات نمو أكثر استدامة في القواعد الهيكلية للسوق ككل. أما على صعيد سوق الإيجارات، فقد برز توجه جديد يتمثل في إرجاء المشترين لقرار تملك العقارات والتوجه بدلاً من ذلك نحو استئجار العقارات القائمة. وفي ظل استمرار دبي كوجهة جاذبة للكفاءات المهنية، والشركات، ورواد الأعمال، يظل حجم الطلب الكلي على الوحدات السكنية متماسكاً؛ حيث أسهمت مرونة قطاع الإيجارات في الحد من مخاطر الهبوط وتخفيف وطأة التداعيات خلال هذه المرحلة الضبابية.
2. رقم قياسي غير مسبوق في العقود الجديدة: مؤشر على تدفق طلب إضافي
كشفت أحدث البيانات الخاصة بحركة الإيجارات في دبي لشهر يونيو 2026 عن تسجيل أعلى نشاط إيجاري شهري في تاريخ الإمارة، وذلك بإبرام نحو 40,000 عقد إيجار. وكان من أبرز الملامح المميزة لهذا الأداء قفزة نوعية بلغت 50% على أساس سنوي في عقود الإيجار الجديدة، في حين سجلت العقود المجددة نمواً بنسبة 30% على أساس سنوي. وتؤكد هذه الأرقام اتساع قاعدة المستأجرين بوجه عام، وهو ما يعد مؤشراً إيجابياً يعزز صحة واستقرار السوق في ظل هذه الظروف الراهنة المتسمة بعدم اليقين.
3. تغير ملامح الشريحة المستأجرة ودوافعها
تواصل دبي استقطاب فئات جديدة تماماً من الوظائف ورواد الأعمال، مستندةً في ذلك إلى استراتيجياتها الطموحة والمبتكرة وفي مقدمتها أجندة دبي الاقتصادية (D33). وبفضل الإصلاحات التشريعية والهيكلية الكبرى، نجحت المدينة في تحويل الرحالة الرقميين والعاملين عن بُعد إلى ركائز استقرار طويل الأجل داخل المجتمع. وعلى مستوى الأسر والعائلات، تصدر معيار القرب من المدارس قائمة الأولويات والاشتراطات، حيث شهدت مناطق رئيسية مثل البحيرات، والميدوز، والمرابع نشاطاً بحثياً مكثفاً من قِبل المستأجرين.
4. نشاط قياسي وتراجع نسبي في الأسعار
رغم وصول أحجام الإيجارات إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، فإن قوة التفاوض وصياغة الأسعار قد مالت كفتها لصالح المستأجرين. وبدأ ملاك العقارات في الأبراج والمجمعات الفاخرة ــ مثل وسط مدينة دبي (داون تاون)، ونخلة جميرا، وأبراج بحيرات جميرا ــ يبدون مرونة واضحة في التفاوض، حيث بات تقديم تنازلات وتخفيضات تراوح بين 5% و15% أمراً شائعاً. ومن الناحية الرقمية، ما زالت العقود المجددة تتفوق من حيث القيمة الإجمالية على العقود الجديدة، رغم أن معدل نمو العقود الجديدة يتجاوز العقود المجددة على أساس سنوي، مما يشير إلى أن المستأجرين يفضلون البقاء في وحداتهم الحالية كلما أمكن ذلك، مع خوض مفاوضات صارمة لانتزاع شروط أفضل إذا ما اضطروا للانتقال. ويعد هذا التمازج بين معدلات الإشغال القوية والمرونة في القيم الإيجارية الفعلية الدليل الأوضح على تشكّل نافذة قوة تفاوضية ممتازة لصالح المستأجرين في الوقت الراهن.
*المصادر:
دائرة الأراضي والأملاك في دبي، مان باور جروب، مؤشر مديري المشتريات الصادر عن إس آند بي، إدواردز أند تاورز، بلومبرغ.