
كشف إغلاق «مضيق هرمز» الذي يمر عبره ما يقارب 20% من استهلاك النفط العالمي يومياً، وسط تصاعد الصراع الأميركي الإيراني وما تبعه من تداعيات، عن هشاشة منظومة التجارة العالمية. ومع هذا الاضطراب الذي نشهده فى الوقت الحالي، تواجه الشركات صدمات متزامنة على ثلاثة محاور: الطاقة، والبنية التحتية الحيوية، وأمن الإمدادات.
هذا ليس حدثاً غير متوقع، بل هو السيناريو الذي حذر منه الخبراء فى مجالات سلاسل التوريد منذ فترة طويلة.
يُعدّ أمن الطاقة عنصراً أساسياً للشركات في منطقة مجلس التعاون الخليجي وخارجها. وقد أحدثت الهجمات الإيرانية الأخيرة على البنية التحتية النفطية السعودية، بالإضافة إلى إغلاق المضيق، صدمة في أسواق الطاقة العالمية. بالنسبة للشركات العاملة في هذه المنطقة، بدءاً من شبكات المستشفيات ومقدمي الخدمات اللوجستية لسلسلة التبريد وصولاً إلى مراكز البيانات والمصنعين، ستكون الأيام والأسابيع القليلة المقبلة نقطة فاصلة.
على المدى القريب، ينبغي أن تُعطي الشركات أولوية قصوى لتأمين مخزونات الوقود وضمان جاهزية محطات التوليد الاحتياطية في مواقعها التشغيلية. فهناك قطاعات حيوية لا تحتمل أي انقطاع في الطاقة، مثل مراكز البيانات، وسلاسل التبريد، والمستشفيات، حيث تمثل استمرارية التشغيل متطلباً أساسياً لا يقبل التأجيل أو المساومة. وفي الوقت ذاته، يتعين على الشركات اتخاذ إجراءات عاجلة لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، بما في ذلك إعادة التفاوض على عقود التوريد، وتفعيل بنود القوة القاهرة عند الضرورة، وتسريع البحث عن مصادر وموردين بديلين للوقود خارج المناطق المتأثرة، للحد من المخاطر وضمان استمرارية الأعمال.
يجب أن تكون استجابة قطاع الطاقة على المدى البعيد أكثر هيكلية. الشركات التي أجلت الاستثمار في محطات توليد الطاقة المحلية الصغيرة، وأنظمة الطاقة الشمسية، ووحدات الطاقة الموزعة، تدفع الآن ثمن هذا التهاون. الأزمة تجعل تنويع مصادر الطاقة ضرورة لا جدال فيها.
الطاقة ليست سوى جانب واحد من جوانب الأزمة. في دول مجلس التعاون الخليجي، يُنتج ما يقارب 80% من مياه الشرب من خلال تحلية المياه، مما يجعل هذه المنشآت الصناعية ذات أهمية استراتيجية من الدرجة الأولى.
يتعين على الشركات التي لديها عمليات تشغيلية كبيرة في المنطقة، كالفنادق والمستشفيات والمصانع ومراكز الخدمات اللوجستية، مراجعة سعة تخزين المياه لديها وأنظمة الطاقة الاحتياطية بشكل عاجل. فقد لا يكون معيار N+1 الهندسي المعتمد كافياً بعد الآن. لذا، فإن الانتقال إلى أنظمة N+2، أو الاستثمار في شبكات الطاقة المصغرة المحلية، ليس ترفاً بل ضرورة لضمان استمرارية العمليات في هذه البيئة.
من بين التحديات الثلاثة الرئيسية التي تواجه الشركات اليوم الطاقة، والبنية التحتية الحيوية، وأمن الإمداد. يبرز أمن الإمداد باعتباره العامل الأكثر تأثيراً في حركة التجارة العالمية على المديين المتوسط والطويل، فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي إقليمي، بل يُشكّل إحدى أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في منظومة التجارة العالمية، وأي تعطّل فعلي لحركة الملاحة فيه يُجسّد سيناريو طالما تناوله الباحثون والمتخصصون في سلاسل التوريد ضمن نماذج المخاطر والاضطرابات المحتملة، لكنه ظل يُنظر إليه في كثير من الأحيان داخل المؤسسات التجارية باعتباره احتمالاً بعيداً أكثر منه تهديداً يستدعي الاستعداد الجاد.
بالنسبة للشركات التي تعتمد اعتماداً كبيراً على سلاسل التوريد العالمية لتوفير المكونات أو المواد الخام أو المنتجات النهائية، فإن أي اضطراب في هذه النقطة الحيوية سيترتب عليه عواقب وخيمة.
على المدى القصير، تكمن الضرورة في تحديد الموردين المحليين وتفعيلهم، وبناء مخزون احتياطي، وتقييم مواطن الضعف التي أصبحت فيها الاعتمادية على مصدر واحد مكشوفة بشكل خطير. أما على المدى المتوسط، فيجب على الشركات تسريع تنويع شبكات التوريد، وبناء علاقات عبر مناطق جغرافية متعددة للتحوّط من المخاطر المركزة التي كشف عنها هذا الصراع بشكل صارخ.
على الصعيدين الحكومي والبنية التحتية، أدت الأزمة إلى تجدد الاهتمام الملحّ بالمسارات البحرية البديلة. فالموانئ، مثل ميناء صلالة في سلطنة عُمان، الذي يُمكن أن يُشكّل نقطة دخول إلى منطقة دول مجلس التعاون الخليجي الأوسع دون المرور عبر مضيق السند، باتت تحظى باهتمام استراتيجي متجدد. والاستثمار في هذه البدائل، الذي طالما دعا إليه خبراء اقتصاديات التجارة واعتبروه تأميناً باهظاً، بات اليوم ضرورة ملحة.
ستُحدد إدارة الأزمات ملامح الفترة القادمة. ولكن وراء حالة الطوارئ المباشرة، تكمن محاسبة أعمق. لم يخلق الصراع الأميركي الإيراني نقاط ضعف في سلاسل التوريد العالمية، بل كشف عنها. فعلى مدى عقود، تراكمت هشاشة سلاسل التوريد العالمية تدريجياً بفضل منهج اللوجستيات الرشيقة والفعّالة من حيث التكلفة. وقدّمت الجائحة تحذيرًا، ويُقدّم هذا الصراع تحذيراً آخر.
إن الشركات والحكومات التي ستخرج أقوى من هذه الأزمة هي تلك التي تستغل هذا الاضطراب كحافز لإصلاح هيكلي حقيقي: تنويع مصادر الطاقة، والاستثمار في بنية تحتية مرنة، وبناء شبكات متعددة الموردين، وتطوير قدرات الإنتاج المحلية حيثما لا توجد. يجب أن ينتهي عهد تحسين سلاسل التوريد من أجل الكفاءة فقط على حساب المرونة.
لطالما وُصف مضيق هرمز بأنه أهم ممر مائي للنفط في العالم. وقد جعله الصراع الحالي الدرس الأكثر إلحاحاً في سلاسل التوريد العالمية. والسؤال الآن هو ما إذا كانت الشركات وصناع السياسات سيأخذون ذلك بعين الاعتبار.