المشروع يراهن على الأثرياء بالخليج
طلبات شراء من مستثمرين دوليين

تحوّلت جزر البحر الأحمر إلى إحدى أكثر الساحات العقارية، إثارة للجدل في السعودية، بعدما بدأت شركة «البحر الأحمر العالمية» المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي (الصندوق السيادي)، في طرح فلل وشقق مطلّة على البحر بأسعار تصل إلى 40 مليون دولار (150 مليون ريال).
وفقاً لوكالة «بلومبرغ»، فإن المشروع يضع المملكة مباشرة في صدارة أسواق العقارات الفاخرة، في إطار «رؤية 2030» لتنويع الاقتصاد.
لكن السؤال الأهم: من المشترون المحتملون لهذه القصور الفارهة؟
تشير تقارير «تنمية كابيتال» (شركة استثمارية سعودية خاصة) إلى أن الرياض تحتضن أكثر من 20 ألف مليونير، بينما تضم جدة وحدها نحو 10,400 من أصحاب الثروات الكبيرة.
ويبدو أن جيل الشباب من هؤلاء أصبح أكثر انجذاباً لمفهوم «استثمارات نمط الحياة»، حيث قفز اهتمامهم بالمساكن الفاخرة ذات العلامات العالمية من 23% إلى 45% خلال عام واحد.
يقول المحلل الاقتصادي السعودي، حسين الرقيب لـ«إرم بزنس»: «السوق المحلية قادرة على امتصاص جزء من هذه الفلل، لكنها تظل محدودة للغاية، وبالتالي فإن الرهان الحقيقي يكمن في جذب المستثمرين الدوليين، الذين يبحثون عن وجهات جديدة بعيداً عن أسواق أوروبا المكتظة».
لا يقتصر الاهتمام على السعوديين، إذ يراهن المشروع على أثرياء دول الخليج أيضاً. فقد كشفت منصة «أريبيان بزنس» أن الوحدات سُوّقت مع امتياز الإقامة الدائمة للمستثمرين الأجانب، الذين يشترون عقارات تفوق قيمتها 5 ملايين ريال.
هذه الميزة القانونية، وفق ما يوضح الرئيس التنفيذي لشركة «منصات العقارية» خالد المبيض لـ«إرم بزنس» تمنح المشروع أفضلية تنافسية واضحة لأنها «توفر للمالك إطاراً قانونياً آمناً إلى جانب الفخامة، وهو عامل مهم بالنسبة للأثرياء الخليجيين، الذين يبحثون عن استقرار طويل الأمد ووجهات قريبة جغرافياً».
رغم أن المشروع لا يزال في بداياته، فإن الشركة المطورة أعلنت أنها تلقّت بالفعل طلبات شراء من مستثمرين دوليين. هذه المؤشرات تعزّزها إصلاحات تشريعية واسعة، مثل: السماح بتملك الأجانب للعقارات، ومنح تأشيرات الإقامة المميزة.
ويرى الرقيب، أن: «الميزة التنافسية لمشروع البحر الأحمر ليست في تاريخه، بل في كونه موقعاً بكراً لم يُستنزف بعد من فرط التطوير، ما يجعله جذاباً للمستثمرين الأوروبيين والآسيويين الباحثين عن خصوصية وندرة»، لكنه في المقابل، يحذّر من أن المشروع «يحتاج إلى سجل ناجح ومتكامل من الخدمات كي يقنع المستثمر الغربي، الذي يقارن دائماً بالأسواق الراسخة».
القيمة المضافة في هذه المشاريع لا تنحصر في الموقع البحري، أو التصميم المعماري، وإنما تمتد إلى طريقة إدارتها، فالوحدات السكنية تُدار من قبل علامات فندقية معروفة عالمياً، مثل «فورسيزونز»، «ميرافال»، «يتز كارلتون» و«جميرا» وغيرها، ما يمنحها بعداً مختلفاً باعتبارها جزءاً من مجمعات سياحية مغلقة تتكامل فيها الخدمات مع الإقامة.
ويعتبر الخبير العقاري، خالد المبيض، أن وجود هذه العلامات يمنح المستثمرين مستوى من الثقة والجودة المجرّبة، إذ تتحول العقارات إلى تجربة متكاملة تتجاوز فكرة الشراء بغرض السكن، ويمكن أن تساعد على الحفاظ على القيمة السوقية مع مرور الوقت.
بحسب الموقع الرسمي لصندوق الاستثمارات العامة، فإن نحو ثلاثة أرباع جزر المشروع لن تُستغل لأي أعمال بناء أو إنشاءات سياحية، بل ستُترك على حالها كمحميات طبيعية مغلقة أمام التطوير العمراني.
الهدف من هذا التوجه، وفق ما توضحه شركة «البحر الأحمر الدولية» على موقعها، هو أن يكون التركيز على عدد محدود من الجزر، بحيث يجري الاستثمار فيها مع الحفاظ على بقية الجزر لتبقى بيئة طبيعية غير ملوثة. عملياً، هذا يعني أن النشاط السياحي والبنية التحتية سيتركزان في مساحة أصغر، مقابل إبقاء الجزء الأكبر من الجزر كموائل آمنة للشعاب المرجانية، والكائنات البحرية، والطيور المهاجرة.
أما على مستوى الطاقة، فقد بدأت الشركة بتشغيل الوجهة بالكامل عبر مصادر متجددة، تشمل مئات آلاف الألواح الشمسية، ومنشأة ضخمة لتخزين البطاريات بسعة 1.2 غيغاواط/ساعة؛ ما يجعلها أول وجهة سياحية في العالم تُدار بالكامل بالكهرباء النظيفة.
ويشير المحلل الاقتصادي، حسين الرقيب إلى أن هذه الإجراءات تمنح المشروع ميزة تسويقية بارزة، وتنسجم مع الاتجاه العالمي نحو الاستدامة، لكنها في النهاية تبقى جزءاً من صورة أشمل، حيث العامل الحاسم للمستثمر يظل في الندرة، والخصوصية، ومستوى الخدمات الذي يعكس قيمة هذا الاستثمار.
رغم الجاذبية الواضحة، يبقى نجاح المشروع رهناً بتجاوز بضع عقبات. فالشريحة القادرة على شراء فلل بهذا السعر محدودة جداً على المستوى العالمي، والمنافسة من وجهات راسخة مثل الريفييرا الفرنسية، والكاريبي تفرض ضغوطاً كبيرة.
المبيض يرى، أن: «هذه العقارات تُصنف أكثر كاستثمارات نمط حياة، حيث القيمة الحقيقية تكمن في الوجاهة الاجتماعية والخصوصية، بينما العوائد المالية المباشرة من إعادة البيع أو التأجير قد تكون محدودة في البداية». لكنه يضيف: «الموقع البكر والدعم الحكومي الكبير وربطه برؤية 2030 يمنح البحر الأحمر فرصة ليصبح وجهة فاخرة جديدة قادرة على جذب الأنظار دولياً».
في النهاية، لا يقتصر مشروع البحر الأحمر على كونه استثماراً عقارياً، بل يمثل على ما يذهب إليه بعض الخبراء في هذا المجال، محاولة لإعادة صياغة مفهوم الرفاهية في الشرق الأوسط، حيث يعتبر هؤلاء، أنه رهان جريء على أن يجذب السعوديون النخبة المالية العالمية إلى جزرهم البكر، عبر مزيج من الفخامة والاستدامة والدعم الحكومي، لكن الإجابة النهائية تبقى لدى السوق حول ما إذا كان أصحاب الثروات الفائقة سينجذبون إلى هذه الوجهة الجديدة، أم إن المنافسة والأسعار ستفرض واقعاً آخر؟