logo
عقارات

السعودية تنظم سوق المقاولات بقواعد جديدة للمنافسة على المشروعات الضخمة

السعودية تنظم سوق المقاولات بقواعد جديدة للمنافسة على المشروعات الضخمة
خفض «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي ميزانيات بعض المشاريع حتى 60% في 2024.المصدر: شاترستوك
تاريخ النشر:

تتحرك السعودية نحو إضافة طبقة تنظيمية جديدة إلى واحد من أكبر قطاعات اقتصادها غير النفطي، بعد انتهاء فترة استطلاع الآراء بشأن مشروع «لائحة ترخيص أنشطة المقاولات»، الذي يستهدف تنظيم مزاولة النشاط في القطاعين العام والخاص، في خطوة قد تجعل القدرة على العمل في السوق أكثر ارتباطاً بنوع النشاط الذي تتخصص فيه المنشأة، وليس بمجرد وجودها كمقاول.

وكانت وزارة البلديات والإسكان طرحت مشروع اللائحة عبر منصة «استطلاع»، قبل انتهاء فترة تلقي المرئيات في 23 سبتمبر الجاري. ويتضمن المشروع تحديد نطاق الأنشطة الخاضعة للترخيص، وإجراءات الحصول عليه ومدته وتجديده، إلى جانب التزامات المقاولين والمخالفات والتظلمات والضوابط التنفيذية.

أخبار ذات صلة

منظر عام من العاصمة السعودية الرياض، يوم 18 مارس 2020.

السعودية.. ارتفاع الرقم القياسي لتكاليف البناء بضغط أسعار الطاقة

من التصنيف إلى ترخيص النشاط

لا تعني الخطوة أن السوق السعودي ينتقل للمرة الأولى من «المقاول العام» إلى «المقاول المتخصص»، إذ يتضمن النظام القائم بالفعل تصنيف المقاولين بحسب المجالات والأنشطة والدرجات.

لكن التغيير المحتمل يكمن في مستوى التنظيم؛ فالتصنيف الحالي يقيس القدرات المالية والفنية والإدارية والتنفيذية للمقاول، وترتبط به أهليته للمنافسة على المشروعات الحكومية الخاضعة للتصنيف، بينما يتجه المشروع الجديد إلى تنظيم ترخيص مزاولة أنشطة المقاولات نفسها في القطاعين العام والخاص.

وبذلك، يمكن أن ينتقل التخصص تدريجياً من كونه معياراً لتحديد أهلية المقاول لتنفيذ مشروعات بعينها، إلى عنصر يدخل بصورة أكبر في تنظيم مزاولة النشاط نفسه، وفق الصيغة النهائية التي ستصدر بها اللائحة.

عمال ضمن موقع بناء مشروع في العاصمة السعودية الرياض يوم 23 مايو 2022.
عمال ضمن موقع بناء مشروع في العاصمة السعودية الرياض يوم 23 مايو 2022.المصدر: (أ ف ب)

سوق ضخم يحتاج إلى تنظيم أكثر تخصصاً

يأتي التحرك التنظيمي في سوق أصبح أكثر اتساعاً وتعقيداً مع نمو حجم المشروعات وتعدد تخصصاتها.

ويظهر التقرير السنوي لـ«الهيئة السعودية للمقاولين» لعام 2025 أن القطاع يضم أكثر من 4 ملايين عامل، فيما بلغت مساهمة نشاط التشييد في الناتج المحلي الإجمالي السعودي نحو 7.75%.

تتقاطع هذه البيانات مع أرقام «الهيئة العامة للإحصاء»، التي أظهرت أن نشاط التشييد شكّل نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية في 2025، ليأتي بين أكبر الأنشطة الاقتصادية مساهمةً في الاقتصاد السعودي، في وقت بلغ فيه الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بالأسعار الجارية نحو 4.79 تريليون ريال خلال العام نفسه.

ولا تكمن أهمية السوق في حجمه فقط، بل في طبيعة القاعدة التي تعمل داخله. فالعدد الكبير من المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر يعني أن الانتقال إلى تراخيص أكثر ارتباطاً بالأنشطة يمكن أن تكون له آثار مختلفة بحسب حجم المقاول وقدراته.

فالشركات الكبرى تمتلك عادةً الموارد الفنية والإدارية التي تسمح لها بإدارة نطاق واسع من الأعمال، بينما يمكن أن يكون التخصص في نشاط محدد مساراً أكثر ملاءمةً للمنشآت الأصغر للدخول في سلاسل تنفيذ المشروعات الكبرى.

وهنا تبرز أهمية التفاصيل التي ستتضمنها الصيغة النهائية للائحة؛ فكلما كان الترخيص أكثر ارتباطاً بطبيعة النشاط والخبرة الفنية اللازمة له، أصبحت قدرة المنشأة على إثبات تخصصها عاملاً أكثر حضوراً في المنافسة، خصوصاً في سوق تتجه مشروعاته إلى مستويات أعلى من التعقيد الفني.

أخبار ذات صلة

الرياض تستضيف النسخة الرابعة من قمة المشاريع العملاقة بالتزامن مع تسارع مراحل تنفيذ رؤية السعودية 2030

السعودية تستضيف النسخة الرابعة من قمة المشاريع العملاقة

المشروعات الكبرى ترفع الطلب على المقاول المتخصص

تتزامن إعادة التنظيم مع دورة استثمارية ضخمة تتوزع على التطوير العمراني والبنية التحتية والسياحة والنقل والطاقة والمياه، وهي قطاعات يعتمد تنفيذ مشروعاتها على المقاولين الرئيسيين وشبكة واسعة من الشركات المتخصصة التي تتولى أجزاءً محددة من الأعمال.

ويبرز «صندوق الاستثمارات العامة» كأحد أكبر محركات هذه الدورة. فبحسب بياناته، استثمر الصندوق أكثر من 199 مليار دولار في مشروعات جديدة داخل السعودية بين 2021 و2025، فيما تجاوزت أصوله تحت الإدارة 900 مليار دولار.

ولا تشير استراتيجية الصندوق للفترة 2026-2030 إلى انحسار هذا الطلب، وإنما إلى انتقاله من مرحلة النمو المتسارع إلى مرحلة تركز بصورة أكبر على تحقيق القيمة، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص.

وتضم «محفظة الرؤية»، وهي إحدى المحافظ الاستثمارية الثلاث الأساسية للصندوق، ست منظومات اقتصادية، من بينها التطوير العمراني والتنمية الحضرية، والبنية التحتية للطاقة النظيفة والمتجددة والمياه، والسياحة والسفر والترفيه، إلى جانب «نيوم». كما تستهدف الاستراتيجية فتح فرص أوسع أمام القطاع الخاص المحلي بوصفه مستثمراً وشريكاً ومورداً.

هذا الحجم والتنوع يغيران طبيعة الطلب على خدمات المقاولات. فالمشروع الكبير لا يعتمد عملياً على قدرة مقاول واحد على تنفيذ جميع مكوناته، بل على منظومة من الأعمال المتخصصة تشمل الأنظمة الكهروميكانيكية، وشبكات المياه، والواجهات، والإنشاءات المعدنية، والطرق والأنفاق، وتقنيات البناء، والتشغيل والصيانة.

ومن هنا، يمكن أن يمنح الترخيص المرتبط بالنشاط، إذا اعتمد بهذه الصيغة، الجهات المالكة والمقاولين الرئيسيين أداة إضافية لفرز الشركات المؤهلة لتنفيذ نطاقات محددة من الأعمال، إلى جانب أدوات التصنيف والتأهيل المستخدمة حالياً.

أخبار ذات صلة

جناح مجموعة «طلعت مصطفى» القابضة المصرية بمعرض «سيتي سكيب» العالمي في العاصمة السعودية الرياض يوم 11 نوفمبر 2024.

«طلعت مصطفى» المصرية تتفق مع «روشن» السعودية على تطوير مشروع في الرياض

فرصة للمنشآت الصغيرة.. أم كلفة امتثال جديدة؟

يمكن لهذا التحول أن يفتح مساحةً أكبر أمام المنشآت الصغيرة والمتخصصة داخل سلسلة التعاقد، بدلاً من اقتصار المنافسة على الفوز بالعقد الرئيسي.

فالمقاول الذي يمتلك خبرة فنية في نشاط محدد لا يحتاج بالضرورة إلى امتلاك الحجم المالي والإداري لشركة مقاولات كبرى حتى يحصل على حصة من الإنفاق الإنشائي، إذا تمكن من الدخول إلى المشروع بصفته مقاولاً متخصصاً أو من خلال التعاقد مع المقاول الرئيسي لتنفيذ جزء محدد من الأعمال.

ويتسق ذلك مع توجه أوسع لدى «صندوق الاستثمارات العامة» نحو توسيع مشاركة القطاع الخاص وتعزيز سلاسل القيمة المحلية، وهي من الأولويات الواردة في استراتيجيته الجديدة حتى 2030.

لكن النتيجة، وفق خبراء، ستعتمد على تصميم النظام أكثر من مبدأ الترخيص نفسه. فعدد الأنشطة التي ستتطلب تراخيص، والمتطلبات الفنية لكل نشاط، وكلفة الحصول عليها وتجديدها، وعلاقة الترخيص الجديد بتصنيف المقاولين والاشتراطات البلدية والعضوية، ستحدد جميعها حجم الأثر على المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر.

وإذا نجح النظام في الفصل بوضوح بين متطلبات الأنشطة المختلفة، فقد يمنح المقاول المتخصص مساراً أكثر وضوحاً إلى السوق والمشروعات الكبرى. أما إذا تداخلت المتطلبات الجديدة مع منظومة التصنيف والتراخيص القائمة من دون تبسيط الإجراءات، فقد تتحول إلى كلفة امتثال إضافية لا تغير هيكل المنافسة بالقدر المتوقع.

لذلك، لا يبدو مشروع اللائحة نهايةً لنموذج «المقاول العام»، الذي سيبقى محورياً في إدارة المشروعات والعقود الكبرى، بقدر ما يفتح الباب أمام إعادة تحديد الأدوار داخل سلسلة التنفيذ.

ومع انتقال السعودية إلى مرحلة جديدة من مشروعاتها الكبرى وزيادة التركيز على كفاءة الإنفاق ومشاركة القطاع الخاص، قد تصبح القدرة على إثبات التخصص الفني أكثر أهمية في الحصول على الأعمال، إذا جاءت الصيغة النهائية للائحة في هذا الاتجاه.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف