logo
تكنولوجيا

منجم فوق الأرض.. كيف تتحول البطاريات القديمة إلى ثروة؟

منجم فوق الأرض.. كيف تتحول البطاريات القديمة إلى ثروة؟
بطاريات سيارات كهربائية مستهلكة داخل منشأة متخصصة في إعادة التدوير، حيث تُفصل مكوناتها وتُستعاد المعادن الموجودة فيها لإعادتها إلى خطوط الإنتاج.المصدر: صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
تاريخ النشر:

لم تعد البطاريات المستهلكة مجرد نفايات تحتاج إلى التخلص الآمن، بل أصبحت مخزوناً صناعياً للمعادن التي تحتاج إليها السيارات الكهربائية، وأنظمة تخزين الطاقة، والأجهزة الإلكترونية.

ويمكن استعادة الليثيوم والنيكل والكوبالت والنحاس والألومنيوم من بعض أنواع البطاريات وإعادتها إلى سلسلة الإنتاج، ما يحولها إلى ما يشبه «منجماً فوق الأرض». لكن امتلاك هذه المعادن لا يضمن تحقيق الأرباح، إذ تتوقف الجدوى على تركيبة البطارية، وكفاءة الاستخلاص، وتكاليف النقل، والمعالجة، وأسعار المواد الخام.

ويزداد البعد الإستراتيجي لهذه الصناعة مع سيطرة الصين على الجزء الأكبر من قدرات التدوير. ووفقاً لـ«وكالة الطاقة الدولية»، استحوذت الصين في 2023 على نحو 80% من القدرات العالمية للمعالجة الأولية واستعادة مواد البطاريات، قبل أن تتجاوز حصتها 85% من قدرات إعادة التدوير العالمية وفق تقديرات الوكالة لعام 2026.

أخبار ذات صلة

مركز بيانات كبير متصل ببطاريات تخزين وشبكة كهرباء، مع محطة غاز بالخلفية للدلالة على المنافسة بين البطاريات وتوربينات الغاز

البطاريات تكسر معادلة الغاز.. ومراكز البيانات تعيد حسابات الطاقة

كيف تتحول البطارية إلى مواد قابلة للبيع؟

تبدأ العملية بجمع البطاريات ونقلها وفق متطلبات سلامة صارمة، نظراً إلى مخاطر الاشتعال والتسرب الكيميائي. وبعد ذلك تُفحص البطارية لتحديد ما إذا كانت صالحة لإعادة الاستخدام أو يجب إرسالها مباشرة إلى التدوير.

وقد تحتفظ بعض بطاريات السيارات بنحو 70% إلى 80% من سعتها الأصلية عندما تصبح غير مناسبة لمتطلبات المركبة، وفقاً لوزارة الطاقة الأميركية، ما يسمح باستخدامها في تطبيقات أقل تطلباً، مثل تخزين الكهرباء داخل المباني أو دعم مشاريع الطاقة الشمسية.

لكن «العمر الثاني» ليس خياراً تلقائياً؛ إذ يتطلب اختبار البطارية، وتحديد حالتها، وإعادة تجميعها وإضافة أنظمة للتحكم والسلامة، بينما قد يجعل انخفاض أسعار البطاريات الجديدة إعادة الاستخدام أقل جدوى في بعض الحالات.

أما البطاريات غير الصالحة، فتخضع للتفكيك، والفرم، والفصل، لإنتاج مادة تُعرف باسم «الكتلة السوداء»، وهي خليط يحتوي على معادن ومكونات فعالة يمكن معالجتها لاحقاً.

وتستخدم الصناعة 3 طرق رئيسة: المعالجة الحرارية بدرجات حرارة مرتفعة، والاستخلاص الكيميائي باستخدام المحاليل، والتدوير المباشر الذي يسعى إلى الحفاظ على مكونات البطارية وإعادة استخدامها بأقل معالجة ممكنة. وتختلف كلفة كل طريقة وكفاءتها وانبعاثاتها بحسب نوع البطارية، والمواد المستهدفة.

أخبار ذات صلة

بطارية سيارة كهربائية معروضة داخل جناح شركة تصنيع البطاريات (CATL) في أحد المعارض

هل تستطيع أميركا كسر هيمنة الصين على البطاريات؟

قيمة البطارية تحددها تركيبتها

ليست جميع البطاريات المستهلكة متساوية في قيمتها الاقتصادية. فبطاريات النيكل والمنغنيز والكوبالت تحتوي على معادن مرتفعة القيمة نسبياً، ما يمنح شركات التدوير إيرادات أكبر عند استعادتها.

في المقابل، لا تحتوي بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم على النيكل أو الكوبالت، ما يجعل قيمتها المعدنية أقل، ويزيد حساسيتها لتكاليف النقل والمعالجة. وتكتسب هذه المسألة أهمية متزايدة مع انتشار هذا النوع من البطاريات في السيارات الكهربائية، وأنظمة تخزين الطاقة.

وقد يؤدي انخفاض أسعار الليثيوم والنيكل والكوبالت إلى تقليص عائد شركات التدوير، في حين ترتفع الجدوى عند صعود أسعار المعادن أو فرض قواعد تلزم المنتجين باستخدام مواد معاد تدويرها.

كما تواجه المصانع تحدياً يتعلق بتوافر البطاريات المستهلكة؛ إذ يمكن أن تعمل بطاريات السيارات لسنوات طويلة قبل وصولها إلى نهاية عمرها، ما يعني أن التوسع في مبيعات السيارات الكهربائية، اليوم، لن يتحول فوراً إلى تدفق مماثل من البطاريات المتاحة للتدوير.

القوانين تصنع سوقاً للمواد المستعادة

تدفع التشريعات السوق باتجاه إعادة التدوير، ولا سيما في الاتحاد الأوروبي. فقد حددت القواعد الأوروبية كفاءة دنيا لتدوير البطاريات القائمة على الليثيوم تبلغ 65% من متوسط وزنها، على أن ترتفع إلى 70% بحلول نهاية 2030.

كما تستهدف القواعد استعادة 90% من الكوبالت والنحاس والنيكل بحلول نهاية 2027، إلى جانب 50% من الليثيوم، ثم رفع النسب بحلول نهاية 2031 إلى 95% للمعادن الثلاثة و80% لليثيوم، وفقاً للمفوضية الأوروبية.

وتخلق هذه المتطلبات طلباً على منشآت التدوير والمواد المستعادة، كما تشجع مصنعي البطاريات على تصميم منتجات أسهل في التفكيك، وإعادة المعالجة.

أخبار ذات صلة

خلال اجماع وزير الكهرباء والطاقة المتجددة المصري، محمود عصمت، مع الرئيس التنفيذي لشركة هواوي مصر، بنجامين هو واي، يوم 23 أغسطس 2026.

مصر و«هواوي» تبحثان تصنيع بطاريات تخزين الكهرباء بسعة 4000 ميغاوات

الفرصة لا تقتصر على المصانع

تشمل السوق شركات جمع البطاريات ونقلها وتخزينها، ومراكز فحص حالتها، وأنظمة التتبع الرقمية، ومختبرات السلامة، إلى جانب مصانع إنتاج «الكتلة السوداء» ومنشآت استخلاص المعادن وتنقيتها إلى درجات مناسبة لتصنيع البطاريات.

لكن بناء مصنع قبل ضمان تدفق مستقر من البطاريات قد يؤدي إلى تشغيله بأقل من طاقته، بينما يرفع نقل البطاريات لمسافات طويلة التكاليف والمخاطر. لذلك تحتاج المشروعات إلى عقود توريد طويلة الأجل وشراكات مع شركات السيارات، ومصنعي البطاريات، ومراكز الصيانة.

وتقدّر «وكالة الطاقة الدولية» أن التوسع الفعال في التدوير يمكن أن يخفض بحلول 2050 الطلب على الليثيوم والنيكل المستخرجين حديثاً بنحو 25%، وعلى الكوبالت بنحو 40%، ضمن سيناريو يحقق التعهدات المناخية.

وبذلك، يمكن للبطاريات القديمة أن تصبح مورداً اقتصادياً، لكن الثروة لا توجد في النفايات وحدها؛ بل في امتلاك منظومة قادرة على جمعها بكميات كافية، واستخلاص مواد عالية الجودة منها، ثم إعادتها إلى المصانع بكلفة تنافس التعدين التقليدي.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف