الشركات الناشئة طورت حلولاً تم اعتمادها في الشركات العالمية

في وقت تتسارع فيه وتيرة التحولات الرقمية عالمياً، تسعى تونس إلى ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز الدول الرائدة في مجال الاقتصاد المبني على المعرفة داخل القارة الإفريقية والمنطقة العربية.
ويأتي هذا التوجه في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية وثقافية معقدة، تجعل من التكنولوجيا الرقمية رافعة أساسية للتنمية وأداة لتعزيز السيادة الوطنية.
وفي هذا السياق، تحدث وزير تكنولوجيات الاتصال التونسي، سفيان الهميسي، في حواره لـ«إرم بزنس» عن ملامح الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الرقمي 2026-2030، ورؤية تونس لتعزيز الابتكار والسيادة الرقمية خلال السنوات المقبلة.
وقال الهميسي، إن تونس ماضية بخطى ثابتة نحو تكريس موقعها كفاعل إقليمي في الاقتصاد الرقمي، مشدداً على أن الابتكار والتجديد يمثلان ركيزة أساسية في دفع مسار التنمية.
وأوضح وزير تكنولوجيات الاتصال أن دعم الابتكار ومؤسسات النشأة لن يكون فعالاً إلا بوجود بنية تحتية رقمية عصرية ورقمنة شاملة للمرافق الإدارية، لافتاً إلى أن الحكومة تعمل على إطلاق الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الرقمي 2026-2030، في إطار المخطط الوطني للتنمية تونس 2030.
الهميسي: التحول الرقمي في مجال التربية يمثل أحد الملفات الكبرى التي تحظى بالأولوية
بيّن أن الاستراتيجية تقوم على خمسة محاور كبرى وهي، أولًا: رقمنة شاملة للخدمات العمومية، ثانيًا: بنية تحتية رقمية متطورة وشاملة لا تستثني أي فئة اجتماعية أو جهة من جهات الجمهورية، ثالثاً: اقتصاد رقمي قوي مساهم وفاعل في الناتج الوطني، رابعًا: سيادة رقمية وفضاء سيبرني آمن، وأخيراً مناخ ملائم للابتكار وريادة الأعمال.
وأوضح الهميسي أن بلاده بصدد تقييم استراتيجية تونس الرقمية 2025، مشيراً إلى أن العديد من الأهداف تحققت فيما لا يزال البعض الآخر يتطلب مزيداً من العمل.
وقال: «نحن اليوم نُعد وثيقة تونس الرقمية 2030، في إطار المخطط الوطني للتنمية 2030، التقدم الذي أُنجز إلى الآن مرضٍ، ونحن قادرون على تحقيق المزيد».
وأكد أن الأمر لا يتعلق باستراتيجية جديدة، موضحاً: «كانت لدينا استراتيجية 2021 – 2025، والآن بعد انتهائها، نحن في مرحلة تقييمها ووضع ملامح استراتيجية 2030».
وأشار الهميسي إلى أن التحول الرقمي في مجال التربية يمثل أحد الملفات الكبرى التي تحظى بالأولوية، موضحاً أنه ينقسم إلى شقين أساسيين أولا الجانب التنظيمي واللوجستي والإداري حيث قطعت وزارة التربية أشواطاً مهمة في رقمنة خدماتها المختلفة، بحد قوله.
والشق الثاني كما يردف وزير تكنولوجيات الاتصال هو الشق التربوي والتعليمي المتمثل في التعليم باستعمال الأدوات الرقمية وتطوير المناهج بما يتماشى مع العصر الرقمي.
ولفت إلى أن وزارة التربية تعمل بجدية في هذا الاتجاه، مكملاً: «نعتقد أنه سيكون هناك دفع أقوى في المستقبل القريب مع بداية عمل المجلس الأعلى للتربية والتعليم، الذي سيكون القاطرة الأساسية لتطوير كل ما يتعلق بالتعليم».
وأكد الوزير، أن عمل وزارته يقوم على التنسيق المستمر مع بقية الوزارات، قائلاً: «نحن كوزارة أفقية نعمل مع وزارة التربية وغيرها بصفة يومية، نحن حكومة واحدة، والعمل لا يقتصر على وزارة واحدة، نحن معهم في كل المشاريع».
وكشف الوزير في حواره مع «إرم بزنس»، تنظيم أسبوع الذكاء الاصطناعي في تونس خلال الفترة المقبلة، بالتوازي مع المنتدى المتوسطي، موضحاً أن الحدث سيحتضن سلسلة من الفعاليات التكنولوجية، أبرزها منتدى متميز بمدينة سوسة داخل القطب التكنولوجي (Innovation City).
وأشار الهميسي إلى أن هذه الفعاليات ستكون فرصة لإبراز قدرات تونس في مجال الذكاء الاصطناعي وتبادل الخبرات مع الشركاء الإقليميين والدوليين.
وتابع وزير تكنولوجيات الاتصال: «التشخيص الحالي يبين أن شركاتنا تقدّم خدمات هي الأولى من نوعها في العالم، خصوصاً في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو قطاع يمكن الحديث عنه ساعات طويلة بالنظر إلى حجم التحولات الجوهرية التي يشهدها يومياً».
وأوضح الهميسي أن الشركات الناشئة التونسية استطاعت تطوير حلول مبتكرة تم اعتمادها في العديد من الشركات العالمية والمحلية، مؤكداً أن تونس تزخر بقصص نجاح لشبابها في كبرى المؤسسات الدولية.
وأشار إلى أن مجال الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة ذهبية للاقتصاد التونسي لتطوير حلول عملية وتعزيز اقتصاد رقمي مبني على المعرفة والابتكار.
وقال وزير تكنولوجيات الاتصال التونسي: «نحن في تونس نستغل هذه الفرصة التاريخية لكي نكون سبّاقين في تبنّي منصات التكنولوجيا، لكننا في الوقت نفسه واعون بالتحديات الكبرى التي يطرحها مجال الذكاء الاصطناعي، سواء كانت ثقافية أم اجتماعية أم مرتبطة بسوق العمل».
وأوضح أن الحكومة تعمل حالياً على إعداد استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن أهم أهدافها هي الاستفادة القصوى من إمكانيات الذكاء الاصطناعي وضمان الاستعمال المسؤول والعادل والشامل لهذه التكنولوجيا وتجنّب أي استعمالات تضر بالإنسان أو لا تراعي الخصوصيات العربية والثقافية الإسلامية التونسية.
وأضاف: «نريد أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة لتطوير الاقتصاد وخدمة الإنسان، بعيداً عن التطبيقات التي قد تمس من القيم أو تسبب أضراراً اجتماعية».
وتحدث الوزير عن تقدم تونس في مجال الجيل الخامس، قائلا: «منذ عشر سنوات تم إطلاق الجيل الخامس، والتقدم حتى الآن مرضٍ جداً، لقد تجاوزنا بكثير نسب التغطية المبرمجة، واليوم سندخل مرحلة جديدة تتمثل في توظيف الجيل الخامس داخل قطاعات حيوية».
وكشف أن هناك مشاريع قيد الدراسة حالياً لتطبيق هذه التكنولوجيا في قطاعات مثل: «الصحة، والنقل، والتعليم، والتحكم في الطاقة».
وأضاف أن هذه الجهود تتم بالشراكة بين المؤسسات الوطنية والمشغلين الثلاثة.
وشدد الهميسي على أن تونس تسعى إلى توسيع التعاون الإفريقي والعربي في مجال الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتشجيع الاستثمار المشترك بين المؤسسات الناشئة الإفريقية والمستثمرين الدوليين، بالإضافة إلى بناء منصات مفتوحة للابتكار تجمع الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الناشئة، بما يعزز مكانة إفريقيا على خريطة الاقتصاد الرقمي العالمي.
واستطرد وزير تكنولوجيات الاتصال حديثه بأن تونس ستظل منفتحة على كل المبادرات والمشاريع التي تعزز التعاون الإفريقي، وتكرّس مكانة القارة كفاعل أساسي في الثورة الرقمية العالمية، مختتما: «فلنعمل معاً من أجل إفريقيا رقمية مزهرة ومتصلة بالعالم».