
تستعد منصة «تروث سوشيال» التابعة لشركة (Trump Media & Technology Group)، لبدء مرحلة جديدة في مسيرتها، لا تعتمد على الإعلانات أو الاشتراكات، وإنما على بيع البيانات في الوقت الفعلي للمؤسسات المالية. وتكشف هذه الخطوة عن تحول لافت في استراتيجية الشركة، إذ تسعى إلى استثمار التأثير الكبير الذي تمارسه منشورات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعدد من الشخصيات المؤثرة على حركة الأسواق، عبر توفير وصول سريع ومرخص لهذه البيانات لشركات وول ستريت.
أعلنت الشركة عن إطلاق واجهة برمجة تطبيقات جديدة تحمل اسم (Truth API)، وهي خدمة مدفوعة تمنح المؤسسات المالية إمكانية الوصول الفوري إلى المنشورات الأكثر تأثيراً على منصة «تروث سوشيال».
وستوفر الخدمة في مرحلتها الأولى تحديثات مباشرة لمنشورات أكثر عشرة حسابات نشاطاً وتأثيراً على المنصة، مع إمكانية توسيع نطاق الحسابات المتاحة وفقاً لفئة الاشتراك التي يختارها العملاء.
وأوضح الرئيس التنفيذي المؤقت للشركة، كيفن ماكغورن، أن الهدف يتمثل في إنشاء مصدر إيرادات جديد عالي الربحية، بعيدًا عن نموذج الإعلانات التقليدي الذي تعتمد عليه معظم منصات التواصل الاجتماعي. وأضاف أن العديد من المؤسسات المالية كانت تجمع بيانات المنصة سابقاً بطرق غير مصرح بها، وهو ما دفع الشركة إلى تقديم خدمة رسمية ومنظمة تتيح الاستفادة التجارية من هذه البيانات.
أصبحت منشورات الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال الأشهر الماضية أحد العوامل المؤثرة في تحركات الأسواق المالية، خاصة عندما تتعلق بقضايا مثل الرسوم الجمركية أو السياسات الاقتصادية أو العلاقات الدولية.
تسعى شركات التداول الخوارزمي وصناديق الاستثمار إلى الحصول على هذه المعلومات بأسرع وقت ممكن؛ لأن التأخير حتى لبضع ثوانٍ قد يؤدي إلى خسارة فرص استثمارية أو تحقيق أرباح أقل مقارنة بالمنافسين.
تؤكد الشركة أن الخدمة الجديدة ستوفر وصولاً أسرع بكثير من عمليات المراقبة اليدوية أو تقنيات استخراج البيانات غير الرسمية، الأمر الذي يمنح العملاء بيانات موثوقة وفي الزمن الحقيقي يمكن دمجها مباشرة في أنظمة التداول والتحليل المالي.
بحسب الشركة، ستصبح الخدمة متاحة لعملاء المؤسسات اعتباراً من شهر أغسطس المقبل، وستوفر تغطية مستمرة على مدار الساعة، إلى جانب أرشيف كامل للمنشورات يعود إلى عام 2022.
وأكد ماكغورن أن الشركة نجحت بالفعل في توقيع اتفاقيات مع عدد من العملاء قبل الإطلاق الرسمي، من بينهم مؤسسات إعلامية مالية وشركات متخصصة في التداول عالي السرعة، إلا أنه امتنع عن الكشف عن أسمائهم أو قيمة العقود الموقعة.
تمثل هذه المبادرة محاولة واضحة لتنويع مصادر دخل شركة ترامب ميديا، التي واجهت تحديات مالية منذ إدراجها في البورصة.
رغم أن القيمة السوقية للشركة حظيت باهتمام كبير بعد إدراجها، فإن أداء السهم شهد تقلبات حادة، بينما بقيت الإيرادات التشغيلية محدودة مقارنة بالشركات الكبرى في قطاع التكنولوجيا.
ترى الإدارة أن بيع البيانات قد يوفر مصدراً ثابتاً للإيرادات، خاصة أن المؤسسات المالية مستعدة لدفع مبالغ كبيرة مقابل الحصول على معلومات لحظية قادرة على تحريك الأسواق.
لا تقتصر أهمية هذه الخطوة على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى أبعاد سياسية وأخلاقية أيضاً. فمع امتلاك ترامب حصة كبيرة في الشركة المالكة للمنصة، يرى بعض الخبراء أن تحويل منشوراته إلى خدمة مدفوعة للمؤسسات المالية قد يثير تساؤلات حول تضارب المصالح، خصوصاََ إذا كانت تلك المنشورات تتناول قرارات أو سياسات قادرة على التأثير المباشر في الأسواق.
في المقابل، تؤكد الشركة أن الهدف الأساسي هو تلبية الطلب المتزايد على المعلومات السريعة والموثقة، وأنها توفر خدمة تقنية مشابهة لما تقدمه شركات البيانات المالية المتخصصة، دون التدخل في مضمون المحتوى المنشور.
يعكس إطلاق (Truth API) تحولا أوسع في صناعة المنصات الرقمية، حيث لم تعد البيانات مجرد وسيلة لتحسين الإعلانات، بل أصبحت منتجاً مستقلاً يمكن بيعه للمؤسسات مقابل اشتراكات مرتفعة.
وإذا نجحت التجربة، فقد تدفع منصات اجتماعية أخرى إلى تبني نماذج مشابهة تقوم على تسويق البيانات الفورية للمستثمرين وشركات الذكاء الاصطناعي والمؤسسات الإعلامية، ما قد يغير مستقبل اقتصاد وسائل التواصل الاجتماعي، ويجعل سرعة الوصول إلى المعلومات سلعة لا تقل قيمة عن المعلومات نفسها.