
توسع أبوظبي نطاق سوق الأوراق المالية المرمّزة مع دخول مؤسسات مالية ومنصات عالمية جديدة إلى القطاع، في تحول ينقل استخدام تقنيات البلوك تشين تدريجياً من تجارب ومنتجات محدودة إلى إصدار وتداول وحفظ أدوات مالية خاضعة للتنظيم.
وجاء أحدث التطورات مع حصول «كوين بيس» (Coinbase) على ترخيص من «سلطة تنظيم الخدمات المالية» (FSRA) في «سوق أبوظبي العالمي» (ADGM) لإنشاء مركزها الدولي لترميز الأصول، بما يسمح لها بترتيب صفقات استثمارية وتقديم خدمات الحفظ لتسهيل إطلاق أوراق مالية مرمّزة.
وتتجاوز أهمية الخطوة دخول شركة عالمية جديدة إلى أبوظبي. فالإمارة تجمع توسعاً سريعاً في إدارة الأصول والصناديق مع إطار تنظيمي يفصل الأوراق المالية الرقمية عن العملات المشفرة، فيما بدأت تظهر منتجات ومؤسسات تقدم حلقات مختلفة من البنية اللازمة للترميز. والسؤال الاقتصادي هو إلى أي مدى يمكن أن يتحول هذا النشاط إلى جزء من سوق المال المؤسسية القائمة، بدل بقائه ضمن منتجات رقمية محدودة.
يأتي توسع نشاط الترميز بالتوازي مع نمو سريع لقطاع إدارة الأصول في «سوق أبوظبي العالمي». ففي الربع الأول من 2026، ارتفعت الأصول تحت الإدارة 57% على أساس سنوي، وزاد عدد مديري الأصول والصناديق 24% إلى 179 مديراً، فيما ارتفع عدد الصناديق المدارة من المركز 43% إلى 263 صندوقاً، ووصل عدد شركات الخدمات المالية إلى 365 شركة، وفق أحدث البيانات.
ولا تعني هذه الأرقام أن الأصول التي تديرها المؤسسات العاملة في أبوظبي أصبحت مرمّزة، إذ لا ينشر المركز حتى الآن رقماً مستقلاً لحجم الأوراق المالية المرمّزة. لكنها تظهر اتساع قاعدة المؤسسات التي يمكن أن تستخدم هذه الأدوات، خصوصاً مع نمو أنشطة الأسهم الخاصة ورأس المال المغامر وصناديق التحوط والتمويل المستدام.
وتوفر هذه القاعدة نقطة اتصال محتملة بين الترميز وصناعة إدارة الأصول القائمة؛ إذ يعتمد اتساع المنتجات المرمّزة في النهاية على وجود مصدرين ومديري أصول ومستثمرين ومقدمي خدمات قادرين على إدخالها ضمن أنشطتهم المالية.
لا تبدأ تجربة أبوظبي مع الأوراق المالية المرمّزة من ترخيص «كوين بيس». ففي أكتوبر 2024، أُطلق صندوق «ريلايز تي-بيلز» (Realize T-BILLS) في «سوق أبوظبي العالمي» كصندوق محلي مرمّز يستثمر في أذون الخزانة الأميركية قصيرة الأجل، مع تمثيل وحداته رقمياً على شبكتي «إيثريوم» (Ethereum) و«آيوتا» (IOTA).
وخلال 2026 اتسع نطاق الأوراق المدرجة لدى «سلطة تنظيم الخدمات المالية»، إذ تظهر القائمة الرسمية للأوراق المالية شهادات صادرة عن «بي تك هولدنغز» (BTech Holdings) مرتبطة بأسهم شركات عالمية، من بينها «آبل» (Apple) و«أمازون» (Amazon) و«ألفابت» (Alphabet)، إلى جانب أوراق أخرى مرتبطة بأسهم وصناديق متداولة، ومدرجة في «نست إكستشينج» (Nest Exchange).
ويضيف ترخيص «كوين بيس» لاعباً عالمياً إلى هذا النشاط. وتقول الشركة إن الأوراق المالية المرمّزة المسجلة والمصدرة في «سوق أبوظبي العالمي» ستكون مدعومة بالأسهم الأساسية، مع حصول حاملي الرموز المؤهلين على الحقوق المرتبطة بالأوراق وفق شروط الإصدار.
وتكتسب الخطوة أهميتها من إدخال تقنية الترميز إلى أوراق مالية منظمة ترتبط بأصول وحقوق قائمة، بدل التعامل معها باعتبارها امتداداً لسوق العملات المشفرة. وهو ما يربط توسع «كوين بيس» مباشرة بالبنية التقليدية لأسواق رأس المال التي تسعى أبوظبي إلى تطويرها.
توفر قواعد «سوق أبوظبي العالمي» أساساً واضحاً للفصل بين فئات الأصول الرقمية. فالأصل الرقمي الذي يحمل خصائص ورقة مالية، بما في ذلك العروض المرمّزة للأوراق المالية، يخضع لتنظيم الأدوات المالية بموجب الإطار التنظيمي للمركز، وتشمل الأنشطة المنظمة المرتبطة به التعامل والحفظ وتقديم المشورة.
أما الأصول الافتراضية، مثل «بيتكوين» (Bitcoin) و«إيثر» (Ether)، فتقع ضمن فئة تنظيمية مختلفة. وبذلك يرتبط التصنيف بطبيعة الأداة المالية وخصائصها، وليس بمجرد استخدام البلوك تشين في إصدارها أو تداولها.
وبدأت الخدمات المرتبطة بهذه السوق تتسع أيضاً. ففي يونيو، حصلت «كوبر الشرق الأوسط» (Copper ME) على موافقة مبدئية من «سلطة تنظيم الخدمات المالية» لتوسيع نطاق أنشطتها المنظمة في الأصول الرقمية. وبعد الحصول على الموافقة النهائية، يمكن أن تشمل خدماتها الحفظ، والوصول إلى بنية لإدارة الضمانات خارج منصات التداول، والوساطة في صناديق أسواق النقد المرمّزة.
ويشير دخول هذه الخدمات إلى أن النشاط لا يقتصر على إصدار الأوراق المرمّزة، بل يمتد إلى البنية التي تحتاج إليها المؤسسات لحفظ الأصول وإدارة الضمانات والوصول إلى المنتجات الاستثمارية.
عالمياً، لا تزال سوق الأصول الحقيقية المرمّزة صغيرة مقارنة بأسواق المال التقليدية. وقدرت «بوسطن كونسلتينغ غروب» (BCG) في تقريرها لعام 2026 قيمة الأصول الحقيقية المرمّزة، باستثناء العملات المستقرة واتفاقيات إعادة الشراء، بأقل من 25 مليار دولار وقت إعداد الدراسة، مع استبعاد العقارات أيضاً من تقديراتها المستقبلية.
وتضع المجموعة، في سيناريو متوسط، قيمة الأصول الحقيقية المرمّزة عند نحو 14 تريليون دولار بحلول 2030. ولا يمثل هذا الرقم حجماً قائماً أو مساراً مضموناً للسوق، لكنه يوضح حجم الفارق بين النشاط الحالي والسيناريوهات المرتبطة بتوسع استخدام الترميز في الأوراق المالية والأدوات الاستثمارية.
وبالنسبة إلى أبوظبي، تعكس زيادة التراخيص والإدراجات ودخول مقدمي خدمات جدد اتساع البنية التنظيمية والمؤسسية للسوق، على أن تشكل قيمة الأوراق المالية المرمّزة المتداولة والسيولة المرتبطة بها مؤشرات رئيسية على حجم النشاط مع توسعه.