
لسنوات، كانت السعودية واحدة من أكبر أسواق السيارات في المنطقة، لكنها بقيت في المقام الأول سوقًا تستورد ما تصنعه دول أخرى. الآن تحاول المملكة الانتقال إلى موقع مختلف تمامًا: تصميم السيارة وهندستها وتصنيعها محليًا، وبناء سلسلة توريد وصناعة كاملة حولها. هذه الطموحات أصبحت أكثر وضوحًا مع الكشف عن EXOBOT، أولى سيارات شركة سير السعودية، في نسختين كهربائيتين: سيدان وSUV. السيارتان تلفتان الانتباه بأرقام أداء تصل إلى 850 حصانًا وتسارع إلى 100 كم/ساعة خلال 2.6 ثانية، لكن الرقم الأهم في المشروع قد لا يكون قوة المحركات أو زمن التسارع. القصة الأكبر هي محاولة بناء صناعة سيارات سعودية قادرة على تجاوز مرحلة التجميع إلى الهندسة والتصنيع وتوطين الموردين.
تبدأ EXOBOT بإصدار First Edition محدود الإنتاج، ويأتي بثلاثة محركات كهربائية ودفع كلي وقوة تصل إلى 850 حصانًا وعزم 1000 نيوتن متر. تتسارع السيدان من صفر إلى 100 كم/ساعة خلال 2.6 ثانية، مقابل 2.9 ثانية للـSUV. وتستخدم السيارتان بطارية بسعة 112 كيلوواط/ساعة وبنية كهربائية بجهد 800 فولت. المدى المعلن يصل إلى 670 كيلومترًا للسيدان و560 كيلومترًا للـSUV، لكن من الضروري وضع هذه الأرقام في سياقها: سير تقيسها وفق معيار NEDC، ولذلك لا ينبغي مقارنتها مباشرة بأرقام مدى صادرة وفق معايير مختلفة مثل WLTP أو EPA. أما الشحن من 10 إلى 80% فتقول الشركة إنه يستغرق أقل من 30 دقيقة. وتتجاوز التكنولوجيا منظومة الدفع.
EXOBOT تدعم التحديثات البرمجية عن بُعد، وتقدم أنظمة متقدمة لمساعدة السائق تشمل دعم القيادة من دون استخدام اليدين، وتغيير المسار آليًا، والملاحة الآلية على الطرق السريعة، وفق المواصفات التي أعلنتها سير.
هذه النقطة أساسية؛ لأن وصف سيارة بأنها "محلية" قد يعني أشياء مختلفة في صناعة تعتمد بطبيعتها على شبكة عالمية من الموردين. صندوق الاستثمارات العامة يقول إن EXOBOT صُممت وهُندست محليًا وستُصنع في السعودية. أما الإنتاج فسيتم في مجمع سير الصناعي بمدينة الملك عبدالله الاقتصادية، ضمن مجمع الملك سلمان لصناعة السيارات. لكن المشروع لا يعتمد على مكونات سعودية فقط، ولا تدّعي الشركة ذلك. سير تأسست في 2022 كمشروع مشترك بين صندوق الاستثمارات العامة وشركة Foxconn التايوانية. ووفق رويترز، قدمت Foxconn البنية الكهربائية للسيارات، بينما ساهمت BMW بخبرات هندسية. كما بنت الشركة شبكة واسعة من الشركاء العالميين تشمل شركات متخصصة في أنظمة السيارات والمقاعد والتصنيع والمكونات، بالتوازي مع تطوير قاعدة موردين داخل المملكة. وهذه في الواقع هي الطريقة التي تعمل بها صناعة السيارات الحديثة: السيارة قد تحمل هوية وطنية واضحة، لكن إنتاجها يعتمد على منظومة دولية من التكنولوجيا والمكونات والخبرات.
هنا يصبح مشروع سير أكثر أهمية من EXOBOT نفسها. الشركة تستهدف وصول نسبة المواد والمكونات المحلية في سياراتها إلى 45% بحلول 2034. وفي فبراير 2026 أعلنت توقيع 16 اتفاقية تجارية تتجاوز قيمتها 3.7 مليار ريال، بعد اتفاقيات بقيمة 5.5 مليار ريال أعلنتها في العام السابق. وتشمل عملية التوطين مواد كيميائية ومكونات للهيكل والزجاج وأنظمة التكييف ومعدات مصانع هياكل السيارات وغيرها. الهدف ليس فقط تقليل الاعتماد على الاستيراد، بل جذب الموردين إلى المملكة وخلق طلب صناعي يسمح بنشوء شركات وخبرات محلية حول المصنع الرئيسي. وهذه نقطة حاسمة في أي محاولة لبناء صناعة سيارات. وجود خط تجميع وحده لا يصنع منظومة صناعية، القيمة الأكبر تأتي عندما تبدأ المصانع المحيطة بإنتاج المكونات والمواد والمعدات والخدمات الهندسية التي تحتاج إليها السيارة.
السيدان والـSUV ليستا سوى البداية. سير تخطط لإطلاق 7 طرازات خلال السنوات الخمس المقبلة، تشمل سيارات متوسطة وصغيرة وبأنظمة دفع مختلفة. وهنا يظهر تحول مهم في استراتيجية الشركة. سير تأسست أساسًا كعلامة للسيارات الكهربائية، لكن الرئيس التنفيذي جيم ديلوكا أكد لرويترز أن التشكيلة المستقبلية ستشمل أيضًا سيارات هجينة قابلة للشحن ومحركات احتراق داخلي، استجابة لتغير الطلب في الأسواق. بعد EXOBOT، تخطط الشركة لإطلاق 5 طرازات موجهة إلى شرائح أوسع بين 2028 و2030. كما تستهدف بدء التوسع في الأسواق المحيطة خلال 2028، ثم الوصول تدريجيًا إلى أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حتى 2034. وتقول الشركة إن طرازاتها المقبلة ستُصمم لتلبية المتطلبات التنظيمية العالمية، بما يتيح إمكانية طرحها في أسواق مختلفة.
الأرقام التي تضعها السعودية للمشروع كبيرة، لكنها حتى الآن أهداف مستقبلية وليست نتائج محققة. بحلول 2034، يتوقع أن تسهم سير بأكثر من 30 مليار ريال في الناتج المحلي السعودي، وأن تحسن الميزان التجاري بأكثر من 80 مليار ريال، فيما تقول الشركة إنها تستهدف توفير نحو 30 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة. القيمة الاقتصادية المحتملة لا تأتي من بيع السيارات وحده. إذا نجحت عملية التوطين، فإن الإنفاق ينتقل إلى الموردين والخدمات اللوجستية والهندسة والتصنيع والمواد الخام والتدريب، بينما يمكن للإنتاج المحلي أن يحل محل جزء من الواردات ويخلق صادرات مستقبلية. ولهذا ترتبط سير مباشرة بأحد أهداف رؤية السعودية 2030: بناء قطاعات صناعية غير نفطية قادرة على توليد وظائف واستثمارات ونشاط اقتصادي محلي.
السعودية حاولت سابقًا جذب صناعة السيارات، ولم تصل جميع المشاريع إلى الإنتاج. رويترز تشير إلى أن خططًا لإنشاء مصنع لجاكوار لاند روفر أُلغيت قبل أكثر من عقد، كما رفضت تويوتا في 2019 مشروع تصنيع محلي، مشيرة إلى ارتفاع تكاليف العمالة وضعف شبكة الموردين آنذاك. سير تحاول معالجة هذه العقبة من الاتجاه الآخر: بناء السيارة والمصنع وشبكة الموردين في الوقت نفسه، مع الاستفادة من شركاء دوليين ونظام حوافز حكومي لجذب المصنعين. شركات مثل Lear وBenteler وShin Young وFangxin أنشأت بالفعل عمليات تصنيع في السعودية، وفق رويترز، ضمن المنظومة التي تتشكل حول صناعة السيارات. لكن وجود الاستثمار والمصنع والموردين لا يضمن وحده النجاح التجاري. EXOBOT ستدخل سوقًا عالمية شديدة التنافس، خصوصًا مع سرعة تطور الشركات الصينية وضغط الأسعار والتكنولوجيا في قطاع السيارات الكهربائية. وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي بعد الكشف.
EXOBOT مهمة لأنها أول منتج ملموس لمشروع بدأ قبل أربع سنوات تقريبًا، لكنها ليست وحدها المقياس الذي سيحدد نجاح التجربة السعودية. المقياس الأكبر سيكون قدرة سير على إنتاج السيارات بالجودة والتكلفة والحجم المطلوب، بناء شبكة موردين مستدامة، تحقيق مستويات التوطين المستهدفة، ثم بيع منتجات تستطيع المنافسة داخل المملكة وخارجها. لهذا لا تتوقف قصة EXOBOT عند 850 حصانًا أو تسارع 2.6 ثانية. إذا كان الكشف عن السيارة يمثل لحظة دخول السعودية إلى صناعة السيارات بعلامتها الوطنية، فإن السنوات المقبلة ستكشف الجزء الأصعب: تحويل السيارة من منتج جديد يلفت الأنظار إلى صناعة قادرة على الاستمرار والنمو والمنافسة. فالانتقال من استيراد السيارات إلى صناعتها لا يحدث بمجرد خروج أول سيارة من المصنع، بل عندما تتشكل حولها منظومة تستطيع صناعة ما يأتي بعدها.