logo
اقتصاد

احتجاجات المعيشة تهز أوروبا.. وفرنسا تدفع الثمن الأكبر

احتجاجات المعيشة تهز أوروبا.. وفرنسا تدفع الثمن الأكبر
حراك شعبي احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود وتمويل التعليم، فرنسا، 19 أكتوبر 2026.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

تتسع الاحتجاجات الاجتماعية في دول أوروبية عدة، مدفوعة بارتفاع تكاليف المعيشة، السكن، الطاقة، وتراجع الثقة بالخدمات العامة، فيما بدأت تداعياتها تنتقل من الشوارع إلى المتاجر، الأسواق المالية، وسلاسل الإمداد.

وتختلف دوافع التحركات بين فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وألبانيا، لكنها تكشف تحدياً مشتركاً أمام الحكومات: كيف يمكن تخفيف الضغوط عن الأسر في وقت تعاني فيه الموازنات من ارتفاع الديون، وكلفة الاقتراض؟

في فرنسا، تحولت احتجاجات بدأت على خلفية أوضاع المدارس، ونقص المعلمين، إلى تحرك أوسع ضد غلاء المعيشة، قبل أن تتخللها أعمال عنف ونهب وتخريب طالت منشآت تجارية ومبانيَ عامة.

أخبار ذات صلة

أوراق نقدية من اليورو والدولار في صورة توضيحية ملتقطة يوم 26 مايو 2020.

احتجاجات فرنسا تضرب اليورو والسندات.. والمركزي الأوروبي في اختبار قاس

فرنسا.. 1500 متجر وخسائر بمئات الملايين

قدّرت وزارة الداخلية الفرنسية عدد المشاركين في احتجاجات 17 أكتوبر بنحو 550 ألفاً، بينما رفعت «الكونفدرالية العامة للشغل» تقديرها إلى 800 ألف، وفقاً لصحيفة «لوموند».

وأدت أعمال العنف المصاحبة للاحتجاجات إلى تضرر نحو 1500 متجر في أنحاء البلاد، فيما قدّر ألكسندر بومبار، رئيس اتحاد التجارة والتوزيع والرئيس التنفيذي لشركة «كارفور»، فاتورة الأضرار الأولية بمئات الملايين من اليوروهات.

كما تضررت متاجر ومطاعم وفروع مصرفية ومنشآت للاتصالات، إلى جانب علامات تجارية فاخرة في باريس ومدن أخرى. وقالت «كارفور» إن نحو 50 متجراً تابعاً لها تعرضت لهجمات، بينها 19 متجراً صغيراً أو سوبرماركت تعرضت للنهب، فيما تتجاوز كلفة الإصلاحات وحدها 10 ملايين يورو.

لا تشمل هذه التقديرات الأضرار المادية فقط، بل تمتد إلى خسارة المبيعات خلال الإغلاق، ودفع الأجور والإيجارات، وتعطل النشاط لدى الشركات الصغيرة. وقد تكون هذه المؤسسات الأكثر تضرراً إذا لم تغطِ وثائق التأمين خسائر توقف الأعمال أو تأخرت التعويضات.

كذلك أكدت الحكومة الفرنسية استعدادها لتقديم الدعم إلى الأنشطة المتضررة، لكن الحجم النهائي للخسائر سيبقى مرتبطاً بتقييم الأضرار، وفترة الإغلاق، وقدرة الشركات على استئناف العمل.

أخبار ذات صلة

حراك شعبي احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود وتمويل التعليم، فرنسا، 19 أكتوبر  2026.

ديون وتقشف واحتجاجات عارمة.. حكومة فرنسا في مهب الريح

الاحتجاجات تنتقل إلى الأسواق

تزامنت الاضطرابات مع ضغوط متزايدة على الأصول الفرنسية. وتراجع مؤشر «كاك 40» بنحو 1.3% خلال تعاملات 19 أكتوبر، مع انخفاض أسهم شركات كبرى، وفقاً لوكالة «أسوشيتد برس».

في سوق الدَّين، ارتفع عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.87%، واتسع الفارق بينها وبين السندات الألمانية المماثلة إلى قرابة 145 نقطة أساس، بحسب بيانات نقلتها «وول ستريت جورنال».

ويمثل هذا الفارق علاوة المخاطر الإضافية التي يطلبها المستثمرون للاحتفاظ بالدين الفرنسي، لكنه بلغ أعلى مستوى في نحو أسبوعين، وليس عامين كما ورد في بعض التقديرات المتداولة.

ترتبط حساسية الأسواق بضعف الوضع المالي الفرنسي. فقد رفعت الحكومة توقعها لعجز الموازنة في 2026 إلى 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تستهدف خفضه إلى 5% في 2027، ضمن خطة تتضمن إجراءات بقيمة تقارب 54 مليار يورو.

بالمقابل تتوقع المفوضية الأوروبية اقتراب الدين العام الفرنسي من 120% من الناتج بحلول 2027. ويضع ذلك الحكومة أمام معادلة دقيقة؛ إذ إن خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب قد يساعدان في ضبط المالية العامة، لكنهما قد يرفعان الاحتقان الاجتماعي إذا حمّلا الأسر أعباء إضافية.

أخبار ذات صلة

امرأة تسير أمام ثلاجات فارغة مخصصة للأغذية الطازجة في متجر "إنترمارشيه"  ببلدة نيفز غربي فرنسا، بتاريخ 12 أكتوبر 2026، في أعقاب هجوم سيبراني استهدف سلسلتي متاجر فرنسيتين

اختراق ثلاجات فرنسا يدفع تجار التجزئة لإعادة تقييم المخاطر الإلكترونية

إيطاليا.. ارتفاع الوقود يهدد الإمدادات

امتدت احتجاجات تكاليف المعيشة إلى إيطاليا، حيث شهدت ميلانو مواجهات خلال تحركات بدأت بصورة سلمية، بالتزامن مع احتجاجات وتحذيرات من سائقي الشاحنات بسبب ارتفاع أسعار الديزل.

وأفادت وكالة «أنسا» بأن اتحادات النقل حذرت من توسع التحركات، بينما أدت احتجاجات عمال مصنع الصلب السابق «إيلفا» وإغلاق الطرق في جنوب البلاد إلى اضطرابات في إمدادات الوقود، وفقاً لوكالة «رويترز».

يعتمد الأثر الاقتصادي على مدة التعطيل؛ إذ قد يؤدي استمرار إغلاق الطرق إلى رفع تكاليف النقل وتأخير وصول الأغذية والسلع، قبل انتقال جزء من الزيادة إلى المستهلكين.

السكن يشعل الغضب في إسبانيا والبرتغال

في إسبانيا، تحولت قضية ماريكارمن أباسكال، البالغة 87 عاماً، إلى رمز لأزمة السكن، بعدما واجهت الإخلاء إثر رفع إيجار منزلها من 500 إلى 2650 يورو، وفقاً لصحيفة «الغارديان».

ودفعت القضية إلى احتجاجات تطالب بخفض الإيجارات، ووقف إخلاء المستأجرين الضعفاء وتقييد شراء صناديق الاستثمار للمساكن. كما أصبحت الأزمة محوراً سياساً رئيساً قبل الانتخابات المبكرة المقررة في 29 نوفمبر.

في البرتغال، خرج محتجون في لشبونة اعتراضاً على صعوبة شراء المنازل وتحمل الإيجارات، بعدما ارتفعت أسعار المساكن بنحو 124% بين عامي 2015 و2024، أي ما يقارب ضعف متوسط الزيادة الأوروبية، وفق البيانات الرسمية التي أوردتها «الغارديان».

 حراك شعبي احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود وتمويل التعليم، فرنسا، في 19أكتوبر  2026
حراك شعبي احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود وتمويل التعليم، فرنسا، في 19أكتوبر 2026المصدر: (أ ف ب)

أما في ألبانيا، فتجمع الاحتجاجات بين الاعتراض على مشروع تطوير ساحلي فاخر مدعوم من جاريد كوشنر، والغضب من الفساد، وضعف التعليم، وقلة فرص العمل.

تكشف هذه التحركات أن كلفة الاحتجاجات لا تُقاس بالأضرار المباشرة وحدها؛ إذ يمكن أن تمتد إلى الاقتراض، والاستثمار، وسلاسل الإمداد وثقة المستهلكين. وفي المقابل، تظل قدرة الحكومات على تقديم تنازلات واسعة محدودة بفعل العجز والديون، ما يجعل معالجة أسباب الغضب أكثر تعقيداً من احتواء التظاهرات نفسها.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف