فرنسا تكافح لخفض الديون بالتوفير
استمرار التدهور يفجر ما هو أخطر

دخلت فرنسا مرحلة جديدة من أزمتها الاقتصادية والسياسية، بعدما فجّرت خطط خفض الإنفاق الحكومي موجة احتجاجات واسعة، قبل تصويت برلماني حاسم على ميزانية 2027، إذ تواجه حكومة سيباستيان ليكورنو اختباراً صعباً لتمرير إجراءات مالية تستهدف تقليص العجز، بينما ترتفع تكاليف الاقتراض وتتزايد الضغوط على ثاني أكبر اقتصاد بمنطقة اليورو.
تتزامن الأزمة مع تحذيرات مؤسسات مالية من استمرار تضخم الدين العام وضعف النمو، وسط مخاوف من أن تؤدي الاضطرابات السياسية إلى تعقيد جهود إنقاذ المالية العامة، بعدما شهدت البلاد احتجاجات شارك فيها نحو 550 ألف شخص، بينهم 110 آلاف في العاصمة باريس، وفق السلطات، تحولت أجزاء منها إلى أعمال عنف واسعة شملت نهب متاجر وإحراق مبانٍ عامة.
أعلنت وزارة الداخلية توقيف نحو 2400 شخص وإصابة قرابة 1000 من عناصر الأمن، فيما أدان الرئيس إيمانويل ماكرون أعمال الشغب وتعهد بإجراءات حازمة، قبل التصويت المقرر الثلاثاء على الجزء الأول من الميزانية.
تسعى حكومة ليكورنو إلى تحقيق وفورات مالية بقيمة 54 مليار يورو خلال 2027، بهدف خفض عجز الموازنة إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 5.4% متوقعة خلال 2026.
وتشمل الخطة إجراءات مباشرة بقيمة 43 مليار يورو، تجمع بين زيادة بعض الإيرادات الضريبية وكبح الإنفاق الحكومي والاجتماعي، وسط اعتراضات سياسية ونقابية على تداعيات التقشف.
توقعت وزارة المالية الفرنسية ارتفاع مدفوعات فوائد الدين إلى 91.2 مليار يورو في 2027، مقابل 79.2 مليار يورو خلال العام الجاري، ما يقلص الموارد المتاحة للإنفاق العام.
واجه ماكرون سلسلة أزمات حكومية منذ الانتخابات التشريعية المبكرة في 2024، بعدما فقد معسكره الأغلبية البرلمانية، ما صعّب تمرير الميزانيات والإصلاحات المالية.
وشهدت البلاد سقوط حكومتي ميشيل بارنييه وفرانسوا بايرو، قبل وصول ليكورنو إلى رئاسة الوزراء في سبتمبر 2025، وسط انقسامات حادة بشأن الضرائب والإنفاق العام.
كذلك قدم ليكورنو استقالة حكومته في أكتوبر 2025، قبل إعادة تكليفه، لتستمر أزمة الاستقرار السياسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في 2027.
أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي ارتفاع الدين العام إلى 3595.5 مليار يورو بنهاية الربع الثاني، بزيادة 59.6 مليار يورو خلال ثلاثة أشهر.
وصلت نسبة الدين إلى 119% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 117.5% في الربع الأول، بينما تتوقع وزارة المالية ارتفاعها إلى 119.3% بنهاية 2026.
ورجحت الوزارة استمرار صعود النسبة إلى 121.7% خلال 2027، رغم إجراءات ضبط الإنفاق، نتيجة بقاء العجز أعلى من المستويات اللازمة لاستقرار الدين العام.
واجهت حكومة سيباستيان ليكورنو اختباراً جديداً داخل الجمعية الوطنية، بعدما بدأت مناقشة مشروع ميزانية 2027 وسط انقسامات حادة بين الكتل السياسية، وغياب أغلبية تضمن تمرير الإجراءات المالية المقترحة.
رفض النواب في 13 أكتوبر اقتراحاً اشتراكياً لإسقاط مشروع الميزانية قبل مناقشته، بأغلبية 236 صوتاً مقابل 149، لكن استمرار الخلافات بشأن الضرائب وخفض الإنفاق أبقى مصير القانون غير محسوم.
أوضح وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي، رولان ليسكور، أمام البرلمان أن الحكومة تستهدف خفض العجز إلى 5% من الناتج المحلي خلال 2027، مقابل 5.4% هذا العام، تمهيداً للوصول إلى 3% بحلول 2029.
قال الاقتصاديان ستيفان كولياك وتوماس هومبلو لدى بنك «بي إن بي باريبا» الفرنسي إن النمو الاقتصادي مرشح للتباطؤ إلى 0.5% خلال 2026، قبل التعافي إلى 1% في 2027.
وأوضحا أن ضعف النمو وارتفاع العوائد السيادية سيعقدان جهود ضبط المالية العامة، بينما يُتوقع استمرار ارتفاع الدين رغم إجراءات خفض العجز.
كما أشار بنك «آي إن جي» الهولندي إلى أن ميزانية 2027 قد تحد من تدهور الأوضاع المالية، لكنها لن تحقق استقرار الدين، لأن العجز المستهدف عند 5% يظل مرتفعاً للغاية.
خفّض بنك فرنسا المركزي توقعاته لنمو الاقتصاد إلى 0.4% خلال 2026، مقابل 0.5% سابقاً، مرجحاً ارتفاع النمو إلى 0.9% في 2027 و1.2% خلال 2028.
وتوقع ارتفاع التضخم إلى 2.3% خلال العام الجاري، قبل تراجعه إلى 1.9% في 2027، بينما قد يصل معدل البطالة إلى 8.4% بنهاية 2026.
أوضح البنك أن السيناريو الأكثر تشاؤماً لأسعار الطاقة قد يدفع الاقتصاد إلى الانكماش بنسبة 0.2% خلال 2027، مع ارتفاع التضخم إلى 4.2%.
أشار مدير الإدارة الأوروبية لدى صندوق النقد الدولي، ماتيوش شتشوريك، إلى أن ارتفاع تكاليف الاقتراض الفرنسية لا يزال قابلاً للإدارة، لكن استمرار العوائد المرتفعة سيزيد الحاجة إلى ضبط مالي موثوق.
اعتبر بنك «ناتيكسيس» الاستثماري الفرنسي أن ميزانية 2027 تمثل خطوة أولى ضمن مسار أطول لضبط المالية العامة، في ظل استمرار الضغوط الناجمة عن ضعف النمو وارتفاع الديون.
كما تبقى قدرة الحكومة على تمرير الميزانية وتنفيذ إجراءاتها العامل الحاسم في مسار الأزمة، بينما تتجه الأنظار إلى تصويت البرلمان الثلاثاء وتداعياته على الأسواق الفرنسية.