
تستعد شركة سعودية ناشئة، متخصصة في تطوير بدائل بلاستيكية قابلة للتحلل من المخلفات الزراعية ومخلفات الدواجن، لطرح منتجاتها في السوق بعد أكثر من عشر سنوات من البحث والتطوير.
وتسلط هذه الخطوة الضوء على الفرص والتحديات التي تواجه تحويل الأبحاث الأكاديمية إلى مشاريع تجارية قابلة للنمو والاستمرار، بحسب تقرير نشره موقع AGBI.
تأسست شركة «بوليميرون» (Polymeron) على يد مجموعة من طلاب «جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية» (KAUST)، حيث تنتج حبيبات مصنوعة من مخلفات النخيل يمكن استخدامها في صناعة أدوات الاستخدام الواحد مثل الأواني البلاستيكية وأكياس التسوق.
وطورت الشركة تقنيتها لاحقاً لمعالجة مخلفات الدواجن، بما في ذلك الريش والقش، لإنتاج مواد بلاستيكية غير مخصصة للاستخدام الغذائي، كما بدأت في استكشاف تطبيقات للطباعة ثلاثية الأبعاد.
وأكد الباحثون أن التقنية أثبتت جدواها وأن المنتج قابل للتسويق، مع وجود براءات اختراع قيد التسجيل في السعودية والولايات المتحدة. ومع ذلك، جاءت خطوات التحويل التجاري ببطء.
وقال المؤسس المشارك رودريغو خيمينيز ساندوفال: «بدأنا المشروع من الصفر دون أي موارد. البحث والتطوير يستغرق وقتاً طويلاً ويحتاج إلى موارد بشرية ومالية كبيرة، ولهذا لم نتمكن من إنشاء خط إنتاج إلا هذا العام».
تعكس تجربة «بوليميرون» تحدياً أوسع تواجهه السعودية في مساعيها لتعزيز الابتكار ضمن رؤية 2030 لتنويع الاقتصاد. ورغم الاستثمارات الكبيرة لدعم الشركات الناشئة المنبثقة عن الأبحاث الجامعية، يرى خبراء أن ربط البيئة الأكاديمية بعالم الأعمال لا يزال عقبة قائمة عالمياً.
وقال الشريك في شركة الاستشارات «برايس ووترهاوس كوبرز» (PwC) والمتخصص في المهارات والتعليم، رولاند هانكوك: «من غير المنصف توقع أن يحول الباحثون الأكاديميون أفكارهم إلى نجاحات تجارية؛ فريادة الأعمال وتأسيس الشركات وتحمل المخاطر مهارات مختلفة تماماً، والجسر بين العالمين ما زال ضعيفاً جداً».
استفادت «بوليميرون» من عدة مبادرات وطنية لدعم الابتكار، إذ حصلت على منح من مسرعة «تقدّم» التابعة لـ «جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية»، وشاركت في جناح بمؤتمر «ليب» (LEAP)، أحد أبرز مؤتمرات التكنولوجيا في المملكة منذ إطلاقه عام 2022. كما فازت في العام نفسه بجائزة «أومنيبرينورشيب» (Omnipreneurship) للابتكار والاستدامة بقيمة مليون دولار من شركة «تنمية» (Tanmiah) الغذائية.
وتتوقع الشركة بدء الإنتاج التجاري للحبيبات العام المقبل بعد توقيع اتفاق أولي مع مشترٍ محتمل، لكنها ما زالت تبحث عن أول مستثمر رئيسي رغم حصولها على عدة منح.
وخلال السنوات الأخيرة، كثفت السعودية جهودها لتسريع تحويل الأبحاث إلى منتجات قابلة للتسويق. ففي عام 2023، أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بصفته رئيس مجلس أمناء «جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية»، عن تأسيس «معهد التحول الوطني» (NTI) للأبحاث التطبيقية، مدعوماً بصندوق تمويل بقيمة 200 مليون دولار لدعم الابتكارات الناشئة.
وفي العام نفسه، أطلقت «مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية» مبادرة «الكراج» (The Garage) في الرياض بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، لدعم ما يصل إلى 300 شركة ناشئة. أما في عام 2021، فتم تأسيس «هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار» لتعزيز المنظومة البحثية في المملكة.
ورغم هذه الجهود، لا يزال عدد الشركات المنبثقة عن هذه المبادرات محدوداً. وأشار هانكوك إلى أن «هناك فجوات في المنظومة تتعلق بكيفية مواءمة التمويل الحكومي للأبحاث مع احتياجات السوق وأولويات الصناعة».
وتظهر تجارب عالمية أن سد هذه الفجوات قد يحقق نجاحات كبيرة؛ إذ بدأت تقنية «سيري» (Siri)، التي استحوذت عليها شركة «أبل» عام 2011، كمشروع بحثي في معهد تابع لـ«جامعة ستانفورد»، لتصبح مثالاً بارزاً على قوة الربط بين الأبحاث الجامعية والأسواق التقنية.
وأضاف هانكوك: «في السعودية، لا تزال هذه الروابط غير متينة بالقدر الكافي، لكننا نأمل أن نشهد تحسناً قريباً».
وتساهم «جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية» في مشاريع ابتكارية أخرى مع شركات سعودية كبرى مثل «أرامكو» (Aramco) و«سابك» (Sabic)، من بينها مشروع بحثي لتطوير تقنية لاستخلاص الليثيوم من مياه حقول النفط المالحة.
ويرى مراقبون أن تعزيز التعاون بين الأوساط الأكاديمية والصناعية قد يمهّد لموجة جديدة من التقنيات التجارية، رغم استمرار الاختلافات بين تركيز الأكاديميين على البحث العلمي واهتمام رواد الأعمال بمتطلبات السوق.
واختتم هانكوك حديثه قائلاً: «هذا تحدٍ كبير، لأن نتيجة الأبحاث قد تكون: أجرينا دراسة لكن المشروع غير قابل للتطبيق. هذه نتيجة مهمة في إطار البحث العلمي، لكنها لا تخدم الجانب التجاري».