
أعفى العراق المواد الغذائية والأدوية المستوردة من الرسوم الجمركية، فاتحاً المجال لتخفيف جزء من تكاليف السلع الأكثر ارتباطاً بحياة الأسر. لكن المسافة بين خفض كلفة الاستيراد وانخفاض السعر في المتجر أو الصيدلية تبقى محكومة بعوامل أخرى، من سعر الصرف والشحن إلى المنافسة وهوامش التوزيع.
ووفقاً لوسائل إعلام عراقية، بينها الوكالة الوطنية العراقية للأنباء «نينا» والسومرية، نقلاً عن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، أقر المجلس الإعفاء في جلسته يوم 13 أكتوبر، على أن يسري اعتباراً من 7 أكتوبر 2026. ويتعلق القرار بالرسوم الجمركية على المواد الغذائية والأدوية المستوردة، ولا يعني إلغاء بقية تكاليف استيرادها وتداولها.
وفي تصريحات لـ«إرم بزنس»، يقدّر رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة، خالد الجابري، أن الإجراء قد يخفّض الكلفة بنحو 6%، مع تأكيده أن هذه النسبة لا تعني انخفاض أسعار البيع للمستهلك بالمقدار نفسه. في المقابل، يرى المختص في إدارة الأزمات، علي جبار، أن الأثر الأقرب قد يتمثل في الحد من ارتفاع الأسعار وتثبيتها، قبل ظهور انخفاض ملموس فيها.
يربط الجابري استفادة المستهلك بسرعة تطبيق الإعفاء، ومستوى المنافسة بين المستوردين، وحجم تأثير النقل وسعر الصرف والرسوم الأخرى في السعر النهائي.
ويقول إن تخفيض الكلفة يمكن أن يخفف بعض الأعباء عن الأسر الفقيرة والهشة، وكذلك الشرائح التي تراجعت قدرتها المالية من الطبقة المتوسطة، لكنه يعدّه خطوة أولى ضمن إصلاحات أوسع لتحسين القدرة الشرائية.
ويشير إلى أن مؤسسة أصول عقدت اجتماعات مع ممثلي القطاع الخاص، ضمن حراك شاركت فيه جهات اقتصادية مدنية لتشخيص أعباء الاستيراد والدفع نحو تخفيفها، خصوصاً ما يتصل بالمواد الأولية والسلع الأساسية.
ويتفق جبار على أهمية خفض الأعباء، لكنه يحذر من التعامل مع الإعفاء باعتباره ضماناً تلقائياً لتراجع الأسعار؛ فالرسوم، بحسب وصفه، حلقة ضمن سلسلة تشمل الروتين الإداري، وتأخير التخليص، وغرامات التخزين، وعمولات الحوالات المالية.
ويستند جبار في تقديراته إلى واردات سنوية من المنتجات الغذائية والزراعية والحيوانية والحبوب وحليب الأطفال تتجاوز 3.4 مليار دولار، منها أكثر من 2.2 مليار دولار للحبوب، وسوق دواء للقطاع الخاص بنحو 2.8 مليار دولار، موضحاً بذلك حجم النشاط المرتبط بالقرار.
ويقدّر وفراً نظرياً يتراوح بين 200 و300 مليون دولار من إلغاء رسوم تتراوح بين 5% و10% على السلع المشمولة.
وتبقى هذه الأرقام تقديرات للخبير، وليست حصيلة فعلية معلنة لتنفيذ الإعفاء، كما تختلف قيمة الوفر بحسب حجم المستوردات المشمولة ونسب الرسوم التي كانت مطبقة عليها.
وفي المقابل، يقدّر أن أعباء الروتين والتأخير والتأمين قد تبلغ، في بعض الحالات، بين 8% و12% من قيمة الشحنة، بما قد يمتص الوفر الجمركي قبل وصوله إلى المستهلك. ويحذر أيضاً من احتفاظ حلقات التجارة بالوفر كأرباح إضافية إذا غابت المنافسة الفعلية.
لكن ثبات الأسعار وحده لا يكفي لإثبات أن المستورد احتفظ بقيمة الإعفاء، وفق الجابري، كما لا يصح تبريره تلقائياً بارتفاع النقل أو تغير سعر الصرف.
ويطالب بمقارنة تكلفة السلعة قبل الإعفاء وبعده، شاملاً الشحن والتأمين والنقل الداخلي وسعر الصرف والرسوم المتبقية، ثم متابعة هوامش المستورد وتاجر الجملة وبائع التجزئة.
وبهذه الطريقة، يمكن تحديد ما إذا كان الوفر قد انتقل إلى المشتري، أو عوّض ارتفاعاً في تكاليف أخرى، أو بقي داخل إحدى حلقات التوزيع.
ويقترح جبار اختبار النتائج بعد ثلاثين يوماً عبر متابعة سلة من الأغذية الأساسية وأدوية الأمراض المزمنة، ورصد استقرار أسعارها أو انخفاضها. ويطرح تراجعاً بين 3% و5% معياراً لاختبار التحسن، وليس نتيجة تحققت أو توقعاً مؤكداً.
ويضيف إلى ذلك قياس مدة بقاء الحاويات في الموانئ وغرامات التخزين، ومتابعة انتقال التجار الصغار إلى القنوات المصرفية الرسمية، معتبراً أن تسهيل التخليص والتحويلات يكمّل أثر الإعفاء.
أما الجابري فيدعو إلى رقابة تستند إلى بيانات الكلفة والأسعار، بالتوازي مع تسهيل الاستيراد وزيادة المنافسة، بدلاً من فرض أسعار إدارية لا تراعي واقع السوق.
ويقترح دراسة كوبونات دعم غذائي ودوائي للفئات المستحقة، لتوفير حماية مباشرة للأسر التي قد لا يصل إليها أثر الإعفاء سريعاً أو بصورة كافية.
ويمتد النقاش إلى قدرة المنتج المحلي على المنافسة. ويرى جبار أن حماية الصناعة الغذائية والدوائية تتحقق بتخفيف تكاليفها، مقترحاً إعفاء المواد الخام والمكونات الدوائية الفعالة والتعبئة والآلات من الرسوم، بدلاً من الاعتماد على تقييد الاستيراد وحده.
ويطالب بإعفاءات ضريبية مرحلية للمشروعات الصناعية والغذائية الناشئة، وقانون ضريبي أكثر مرونة يبتعد عن التقدير الجزافي، ونوافذ مصرفية رسمية تيسّر معاملات الشباب والتجار الصغار وتقلل اعتمادهم على السوق الموازية.
وبالنسبة إلى الجابري، فإن مراجعة الأعباء الضريبية والإدارية مسؤولية تتجاوز الإعفاء الجمركي. ويدعو البرلمان ووزارة المالية إلى تخفيف تكلفة الامتثال على الأنشطة الصغيرة، والاستفادة من الأدوات القانونية المتاحة، وتركيز موارد التحصيل على المكلفين الأكبر مساهمة في الإيرادات.
ويوضح أن المقصود تحقيق توازن بين كفاءة التحصيل واستمرار الأعمال، حتى لا تصبح الإجراءات سبباً إضافياً لرفع الأسعار أو تقليص الوظائف.
ويحذر من أن ضعف القدرة الشرائية قد يمنع الشركات من تمرير ارتفاع تكاليفها إلى المستهلك، فتتحملها عبر تقليص الأرباح أو النشاط والتوظيف. لذلك يربط تخفيف الأعباء المعيشية بتبسيط الترخيص وخفض الرسوم المتعددة على المهن والأنشطة الصغيرة.
وفي السياق نفسه، يقترح جبار تشجيع الإنتاج المصغر والصناعات الغذائية الخفيفة لتوسيع فرص العمل خارج القطاع الحكومي، بينما يؤكد الجابري أن حماية الأسر تتطلب دخلاً وفرصة عمل وسوقاً تنافسية، إلى جانب تخفيض كلفة السلع الأساسية.