
تتزايد الضغوط على المستهلكين في بريطانيا مع ارتفاع أسعار الوقود والطاقة وتكاليف الرهن العقاري، وسط مخاوف من زيادات ضريبية جديدة في الموازنة المرتقبة نهاية أكتوبر، ما يدفع الأسر إلى تقليص الإنفاق غير الضروري والاعتماد بصورة أكبر على الاقتراض لتغطية نفقاتها الأساسية.
بحسب تقرير لوكالة «بلومبرغ»، تتزايد المؤشرات على تراجع القدرة الشرائية للأسر البريطانية، إذ تلجأ شريحة متنامية من المستهلكين إلى بطاقات الائتمان والقروض لمواجهة تكاليف المعيشة، بينما يفضل آخرون زيادة مدخراتهم تحسباً لمزيد من الضغوط الاقتصادية.
تأتي هذه التحولات بعدما تلاشت موجة التفاؤل التي شهدتها البلاد خلال الصيف، مدفوعة بالتطورات السياسية وكأس العالم لكرة القدم، لتحل محلها مخاوف من تداعيات الصراع في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة.
ورغم استمرار الاقتصاد البريطاني في إظهار قدر من المتانة، بعدما سجل نمواً فاق التوقعات خلال أغسطس، فإن مؤشرات ثقة المستهلكين تكشف صورة أكثر حذراً.
وأظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطني البريطاني أن نمو الاقتصاد في أغسطس جاء مدفوعاً بصورة رئيسة بقطاع التصنيع، بينما انكمشت الخدمات المرتبطة بالمستهلكين للشهر الثاني على التوالي، مع تراجع الإنفاق على الأنشطة الرياضية والمطاعم وخدمات التجميل.
وبات البريطانيون يفضلون المشتريات الصغيرة التي تمنحهم شعوراً بالرفاهية، مثل مستحضرات التجميل والوجبات الفاخرة من المتاجر الكبرى، بدلاً من تناول الطعام خارج المنزل أو شراء السلع مرتفعة الثمن.
وقال كين تان، كبير مستشاري قطاع التجزئة لدى «برايس ووترهاوس كوبرز» في بريطانيا، إن المستهلك البريطاني يبدو في حالة ترقب وقلق شديدين، استعداداً لموجة جديدة من ارتفاع التكاليف.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة للاقتصاد البريطاني، إذ يمثل الإنفاق الاستهلاكي نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تفوق مثيلاتها في اقتصادات أوروبية كبرى.
وكشف استطلاع أجرته «بلومبرغ إنتليجنس» أن 55% من البريطانيين لا يستطيعون تغطية فواتيرهم لأكثر من 3 أشهر إذا فقدوا مصادر دخلهم، بزيادة قدرها 13 نقطة مئوية مقارنة بالعام الماضي. كما أقر واحد من كل 10 مشاركين بأنه تخلف عن سداد دفعة مالية أو اضطر إلى تأجيلها خلال الفترة الأخيرة.
وتشير هذه النتائج إلى تزايد الهشاشة المالية للأسر، في وقت تتباطأ فيه زيادات الأجور وتصبح فرص العمل أكثر صعوبة.
وأظهرت بيانات بنك إنجلترا أن المستهلكين اقترضوا 2.5 مليار جنيه إسترليني إضافية من الديون غير المضمونة خلال أغسطس، وهو أعلى مستوى مسجل، ما يعكس اعتماداً متزايداً على بطاقات الائتمان والقروض الشخصية.
وفي مؤشر آخر على تفاقم الضغوط المالية، ارتفعت حالات التعثر في سداد ديون بطاقات الائتمان للربع السادس على التوالي، في أطول سلسلة ارتفاع منذ الأزمة المالية العالمية عام 2009.
وأظهرت بيانات اتحاد التجزئة البريطاني ارتفاع المبيعات المماثلة بنسبة 1% على أساس سنوي خلال سبتمبر، أي نصف وتيرة النمو المسجلة قبل عام.
ويعكس هذا التباطؤ اتجاه المستهلكين إلى تقليص مشترياتهم، خصوصاً السلع غير الأساسية، مع تزايد المخاوف من زيادات ضريبية محتملة في الموازنة المقرر إعلانها في 28 أكتوبر.
وكشف استطلاع منفصل أجراه بنك «باركليز» أن غالبية الأسر تشعر بالقلق حيال التغييرات الضريبية المرتقبة، فيما بدأ نحو ثلث المستهلكين خفض الإنفاق الاختياري وتعزيز مدخراتهم استعداداً للموازنة.
كما أظهر تقرير مؤسسة «جي إف كيه» تراجع استعداد المستهلكين لشراء السلع مرتفعة الثمن خلال سبتمبر، في إشارة مقلقة لتجار التجزئة قبل موسم التسوق المرتبط بعطلات نهاية العام.
ويواجه وزير الخزانة البريطاني جون هيلي ضغوطاً متزايدة لتخفيف أعباء المعيشة، لكنه يمتلك هامشاً مالياً محدوداً في ظل ارتفاع الدين العام وحساسية أسواق السندات تجاه أي توسع إضافي في الإنفاق الحكومي.
وقال ريتشارد ليم، الرئيس التنفيذي لشركة «ريتيل إيكونوميكس»، إنه لا يتوقع أن تتضمن الموازنة إجراءات قادرة على تعزيز ثقة المستهلكين بصورة ملموسة، نظراً إلى القيود المالية التي تواجه الحكومة.
وتتزايد المخاوف من موجة جديدة من ارتفاع تكاليف المعيشة مطلع العام المقبل، مع توقعات بزيادة فواتير الطاقة بأكثر من 20% عند إعادة تحديد سقف الأسعار في يناير.
ومن المتوقع أن يدفع ذلك معدل التضخم البريطاني إلى تجاوز 4% في أوائل 2027، وهو مستوى يزيد الضغوط النفسية والمالية على المستهلكين.
ووصلت أسعار الديزل بالفعل إلى مستوى قياسي بلغ جنيهين إسترلينيين للتر، أي نحو 2.6 دولار، بينما اقتربت أسعار الفائدة الرئيسة على قروض الرهن العقاري من 6%، بالتزامن مع اقتراب بنك إنجلترا من رفع أسعار الفائدة الشهر المقبل.
وقالت نائبة محافظ بنك إنجلترا سارة بريدن، في تصريحات لشبكة «سي إن بي سي»، إن المستهلكين يعانون بالفعل، وإن تكاليف المعيشة أصبحت تحدياً حقيقياً لبعض الأسر، مستندة إلى مشاهداتها خلال زيارة إلى مدينة ليدز شمال إنجلترا.
وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد المخاوف من أن يؤدي ضعف الإنفاق الاستهلاكي إلى إبطاء النمو الاقتصادي خلال الأشهر المقبلة.
وقال راؤول روباريل، المدير الأول في مركز النمو التابع لمجموعة بوسطن الاستشارية، إنه لا يراهن على قدرة المستهلكين على إنقاذ النمو الاقتصادي خلال الفترة المتبقية من العام.
وتشير هذه التطورات إلى أن الاقتصاد البريطاني قد يواجه اختباراً صعباً خلال الأشهر المقبلة، مع اجتماع ارتفاع تكاليف الطاقة والاقتراض والضرائب المحتملة، في وقت تتراجع فيه قدرة الأسر على دعم النشاط الاقتصادي من خلال الإنفاق.