علي جبار: القرار يوفر متنفساً مالياً لكنه لا يعالج العجز وحده
خالد الجابري: دعم الإنتاج المحلي ضروري لحماية القوة الشرائية

دخل تعديل سعر صرف الدينار العراقي حيز التنفيذ وسط معادلة دقيقة تجمع بين حاجة الحكومة إلى زيادة إيراداتها بالعملة المحلية، وضرورة حماية الأسر من ارتفاع كلفة السلع المستوردة.
واعتمد العراق سعراً جديداً لبيع الدولار للجمهور عند 1520 ديناراً، مقارنة بـ1320 ديناراً سابقاً، فيما حُدد سعر شراء وزارة المالية عند 1500 دينار للدولار.
ويمنح القرار الخزينة دنانير أكثر مقابل الإيرادات النفطية الدولارية، لكنه يرفع في المقابل كلفة الاستيراد؛ ما يجعل نجاحه مرتبطاً بقدرة الدولة على ضبط السوق وتسهيل التحويلات الرسمية وتوجيه المساحة المالية الجديدة نحو الاستثمار والإنتاج.
ويأتي القرار بالتزامن مع إعداد مشروع موازنة 2027، الذي يتضمن، وفقاً لمعلومات نقلتها رويترز عن أعضاء في اللجنة المالية النيابية، إنفاقاً مخططاً بنحو 217 تريليون دينار وعجزاً يتجاوز 40 تريليون دينار، بافتراض سعر نفط يبلغ 58 دولاراً للبرميل.
ووفقاً لخبراء تحدثوا إلى «إرم بزنس»، لا يحمي تعديل سعر الصرف دخل الأسر بصورة تلقائية، بل يتوقف ذلك على استخدام الإيرادات الدينارية الإضافية في دعم الفئات الأكثر تأثراً، وضمان تمويل واردات الغذاء والدواء بالسعر الرسمي، وخفض الرسوم والكلف المصرفية والجمركية، ومراقبة الاحتكار، وتمويل الإنتاج المحلي.
قال المتخصص في إدارة الأزمات علي جبار لـ«إرم بزنس» إن تعديل سعر الصرف يمثل أداة لتوسيع الإيرادات الدينارية للخزينة، لكنه لا يخلق إيرادات دولارية جديدة، بل يزيد المقابل المحلي المتحقق من الإيرادات النفطية.
وأوضح أن رفع سعر شراء الدولار من 1300 إلى 1500 دينار يضيف حسابياً 200 دينار إلى الخزينة عن كل دولار نفطي، أي نحو 200 مليار دينار عن كل مليار دولار.
وبحسب تقديره، إذا بلغت التدفقات الدولارية المحولة إلى الموازنة ما بين 4.5 و5 مليارات دولار شهرياً، فقد يصل الأثر النظري للقرار إلى ما بين 10.8 و12 تريليون دينار سنوياً، بشرط تحقق هذه التدفقات واستمرارها.
لكنه أكد أن هذه المساحة لا تكفي وحدها لمعالجة الاختلال المالي، في ظل مشروع موازنة يتضمن إنفاقاً بنحو 217 تريليون دينار وعجزاً يتجاوز 40 تريليوناً. لذلك يوفر القرار «متنفساً مؤقتاً»، بينما يتطلب الاستقرار ضبط الإنفاق الجاري وتنمية الإيرادات غير النفطية وحماية الاستثمار المنتج.
وقدر جبار أن نحو 45 ديناراً من كل 100 دينار فرقاً سعرياً قد تذهب تلقائياً إلى تغطية تضخم النفقات الحكومية والمستلزمات السيادية المستوردة، فيما تمثل الـ55 ديناراً المتبقية «مساحة مالية حقيقية جديدة».
وربط الاستفادة منها بمدى انضباط وزارة المالية في منع توجيهها إلى التشغيل الاستهلاكي، وحصرها في الاستثمار الرأسمالي الذي يعزز الإنتاج المحلي.
في المقابل، قال مدير عام المحاسبة في البنك المركزي العراقي إحسان شمران لـ«إرم بزنس» إن البنك المركزي نجح فعلياً في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.
وأوضح أن الفجوة قبل تعديل السعر بلغت نحو 300 دينار لكل دولار، استناداً إلى سعر رسمي عند 1320 ديناراً وسعر موازٍ قرب 1620 ديناراً، بينما تقلصت بعد القرار إلى نحو 100 دينار تقريباً.
وأكد شمران توافر الاحتياطيات الأجنبية، موضحاً أن تمويل التجارة الخارجية يتم من خلال تلقي المصارف طلبات الشركات وتسلم الدينار العراقي منها، وبالتالي يرتبط جانب من العملية بحجم السيولة المتاحة لدى الجمهور الذي يطلب الدولار عبر المصارف.
وأضاف أن البنك المركزي يبني الثقة بالدينار من خلال استقرار سعر الصرف وفرض الرقابة على الجهاز المصرفي لضمان التزامه بالضوابط، بينما تقع مسؤولية مراقبة الأسواق والتسعير على جهات رقابية أخرى.
لكن جبار يرى أن نجاح القرار لا يتوقف على إعلان السعر الرسمي، بل على قدرة المستوردين والتجار على الوصول إلى الدولار عبر القنوات الرسمية بكلفة وإجراءات معقولة.
وأشار إلى أن سعر بيع الدولار في بغداد بلغ نحو 1700 دينار في 7 أكتوبر، مقابل السعر الرسمي البالغ 1520 ديناراً، بفارق قارب 11.8% في ذلك اليوم، قبل أن تتقلص الفجوة لاحقاً، وفقاً لشمران.
قال الخبير الاقتصادي العراقي خالد الجابري لـ«إرم بزنس» إن تغير سعر الصرف سينعكس بصورة مباشرة على كلفة الاستيراد والأسعار، لكن حجم التأثير سيختلف بحسب طبيعة السلعة ومصدر تمويلها والمخزون المتاح وهوامش الربح وقدرة التجار على امتصاص جزء من الزيادة.
وأوضح أنه إذا ارتفعت كلفة الحصول على العملة الأجنبية بنحو 15%، فقد ترتفع كلفة استيراد السلع بنسبة قريبة، بافتراض ثبات العوامل الأخرى. إلا أن السعر النهائي يتأثر أيضاً بالنقل والتأمين والتمويل والمخزون والمنافسة.
وقدر الجابري احتمال زيادة كلفة بعض السلع المستوردة بما يتراوح بين 10% و25%، بحدود 10% إلى 15% للمواد الغذائية، و20% إلى 25% للمواد الكهربائية والإنشائية وغيرها. وشدد على أن هذه تقديرات تختلف وفق السلعة ومصدرها، ولا ينبغي جمعها حسابياً مع نسبة تغير سعر الصرف من دون تحديد أساس كل تقدير.
ووضع قطاع البناء والإنشاءات ضمن الأكثر تعرضاً، بسبب اعتماده على المواد والتجهيزات المستوردة؛ ما قد يرفع كلفة الوحدات الجديدة وأعمال البناء والتجديد، ثم ينتقل بصورة غير مباشرة إلى الإيجارات بحسب العرض والطلب والعقود السارية.
كما توقع حساسية أكبر في أسعار الغذاء وحليب الأطفال والأرز، إلى جانب الأدوية والمستلزمات الطبية والسلع الكهربائية. وأشار إلى رصد زيادات تجاوزت 12% في أسعار الأرز وحليب الأطفال في بعض الأسواق، مع ضرورة التحقق من الفترة والسوق قبل تعميمها على العراق بأكمله.
ويرى جبار أنه لا يمكن منع انتقال كلفة الدولار بالكامل إلى السلع المستوردة، لكن يمكن الحد منها عبر تسهيل تمويل واردات الغذاء والدواء، وتخفيف الإجراءات المصرفية والجمركية، ومراقبة الاحتكار وهوامش الربح، وتوجيه الدعم إلى الفئات والسلع الأكثر تأثراً.
يمكن أن يمنح ارتفاع كلفة الواردات المنتج العراقي فرصة تنافسية، لكن هذه الفرصة لا تتحول تلقائياً إلى زيادة في الإنتاج، وفقاً للجابري.
وأوضح أن استفادة المنتج المحلي تعتمد على توافر الطاقة والتمويل والمواد الأولية والعمالة الماهرة، وقدرته على تلبية الطلب من حيث السعر والجودة والكميات، إلى جانب استقرار البيئة التنظيمية والتجارية.
وقد تظهر الفرصة بصورة أسرع في الصناعات الغذائية والأنشطة التحويلية البسيطة، بينما تحتاج قطاعات أخرى إلى استثمارات أطول لبناء المصانع وسلاسل الإمداد والمهارات.
وأكد الجابري أن المطلوب ليس حماية المنتج المحلي بصورة شكلية، بل خفض كلفة إنتاجه من خلال تبسيط التراخيص، وتقليل الأعباء التنظيمية، وتحسين الوصول إلى التمويل، وتسهيل استيراد مستلزمات الإنتاج.
واقترح جبار تقييم نتائج القرار بعد 30 و90 و180 يوماً، استناداً إلى تقلص الفجوة مع السوق الموازية إلى أقل من 2% أو 3%، وتراجع العجز الفعلي، وانتظام سداد مستحقات المقاولين، واحتواء أسعار الغذاء والدواء، وارتفاع مساهمة الإنتاج المحلي والاستثمار الخاص.
تبدأ الحماية، بحسب الخبراء، بمنع المستوردين من الاضطرار إلى شراء الدولار من السوق الموازية، خصوصاً عند استيراد الغذاء والدواء. ويحتاج ذلك إلى تسريع الحوالات الخارجية وتبسيط الإجراءات المصرفية والجمركية وخفض كلف المعاملات.
كما يتطلب الأمر توجيه جزء من المساحة المالية الجديدة التي حققتها الخزينة إلى دعم الفئات محدودة الدخل، والمحافظة على القوة الشرائية للرواتب، ومراقبة الأسعار وهوامش الربح لمنع استغلال تغير سعر الصرف.
وعلى المدى المتوسط، ترتبط حماية الأسر بزيادة الإنتاج المحلي، ولا سيما في الصناعات الغذائية والدوائية والتحويلية، حتى لا تبقى الأسعار مرتبطة بالكامل بالدولار وكلفة الاستيراد.