logo
اقتصاد

انكماش قطاع البناء في إيران.. صدمات «اقتصاد الحرب» تضاعف هشاشة التوظيف

انكماش قطاع البناء في إيران.. صدمات «اقتصاد الحرب» تضاعف هشاشة التوظيف
2,457 حالة فصل من العمل أو تقليص للعمالة في قطاع البناء الإيراني.المصدر: شاترستوك
تاريخ النشر:

في وقت تتركز فيه الأنظار على تداعيات الحرب على أسواق الطاقة والتجارة، سجلت المؤشرات التشغيلية لقطاع البناء والتشييد في إيران تراجعاً حاداً خلال الربع الأول من عام 2026، وسط تصاعد الضغوط الناتجة عن التوترات الجيوسياسية التي أدت إلى تعطل واسع في المشاريع الإنشائية وتقلص حاد في الإنفاق الاستثماري الرأسمالي.

وتؤكد البيانات أن هذا التباطؤ لم يلمس الجانب الفني للقطاع فقط، بل امتد ليحدث ارتدادات عنيفة في سوق العمل، متمثلة في موجات بطالة متسارعة وتآكل في المكتسبات التأمينية، مما يشير الى انكشاف القطاعات كثيفة العمالة في إيران أمام الصدمات الخارجية وغياب مرونة الاقتصاد الحقيقي في مواجهة الأزمات المركبة.

أخبار ذات صلة

معلمة إيرانية تعمل من منزلها في ظل الانقطاع الشامل للإنترنت بعد الاحتجاجات، 8 يناير 2026.

الاقتصاد الإيراني تحت ضغط الانقطاع الرقمي.. خسائر أبعد من الأرقام

تعطل المشاريع يضرب التوظيف

لا يقتصر تأثير الحرب على تراجع الطلب، بل يمتد إلى تعطّل دورة النشاط الاقتصادي داخل قطاع البناء، حيث أدى تعليق أو تباطؤ المشاريع إلى فقدان أعداد كبيرة من العمال لمصادر دخلهم، في سوق يعتمد بدرجة كبيرة على الأجور اليومية.

وبحسب ما نقلته «وكالة أنباء العمال الإيرانية» (ILNA)، يشكل قطاع البناء والتشييد أحد الروافد الحيوية للتوظيف بنسبة استيعاب تتراوح ما بين 7% و8% من إجمالي القوى العاملة في البلاد، ما يعني أن أي انكماش فيه ينعكس سريعاً على مستويات البطالة والاستهلاك المحلي، ويضاعف أثر الصدمة الاقتصادية.

ولا يتوقف الأثر عند العمالة، بل يمتد إلى الشركات، إذ يؤدي توقف المشاريع إلى تعطّل التدفقات النقدية (Cash Flow)، وتأخر تحصيل المستحقات، ما يضع المقاولين أمام ضغوط سيولة مباشرة، ويحد من قدرتهم على دفع الأجور أو تمويل العمليات الجارية. وفي بيئة تتسم أصلاً بارتفاع المخاطر، تتحول هذه الضغوط إلى عامل كابح للنشاط، وليس مجرد نتيجة له.

تصاعدت سحابة من الدخان عقب انفجار بعد شن إسرائيل ضربة على طهران، إيران، يوم 28 فبراير 2026.
تصاعدت سحابة من الدخان عقب انفجار بعد شن إسرائيل ضربة على طهران، إيران، يوم 28 فبراير 2026. المصدر: (أ ف ب)

بيانات سوق العمل تكشف اتساع الخلل الهيكلي

تُظهر الأرقام الصادرة عن «منظمة حقوق الإنسان في إيران» (HRANA) لعام 2026 حجم الضغوط التي يواجهها القطاع، حيث تم تسجيل تأخر أو عدم دفع الأجور لما مجموعه 672 شهراً عبر 188 منشأة صناعية وخدمية، إلى جانب 2,457 حالة فصل من العمل أو تقليص للعمالة، و658 حالة بطالة.

كما رُصد 560 شهراً دون تغطية تأمينية، وبقاء 2,259 عاملاً في أوضاع وظيفية غير مستقرة، إضافة إلى إغلاق 9 مصانع، وفق التقرير ذاته. وتشير هذه الأرقام، بحسب المنظمة، إلى أن الأزمة لم تعد تقتصر على فقدان الوظائف، بل تمتد إلى تعطّل آليات الدفع وانهيار جزء من منظومة الحماية الاجتماعية.

وتعكس هذه المؤشرات نمطاً من «الصدمة المزدوجة»؛ إذ يواجه العامل فقدان الدخل النقدي بالتزامن مع سقوط الحماية القانونية والتأمينية، مما يقلص من قدرة الأسر على الصمود الاقتصادي في المدى المتوسط.

أزمة التأمين تعمّق الهشاشة وتكشف فجوة التنفيذ

إلى جانب البطالة، تبرز أزمة تأمين عمال البناء كأحد أكثر الملفات تعقيداً في المشهد الاقتصادي الإيراني الحالي، حيث تشير «وكالة أنباء العمال الإيرانية» إلى تعثر ملموس في تطبيق التعديلات التشريعية المتعلقة بالمادة الخامسة من قانون «تأمين عمال البناء»، رغم مرور أكثر من عامين على إقرارها.

وبحسب البيانات الرسمية، يساهم العمال بنسبة 7% من أقساط التأمين، في حين يُفترض أن يتم توفير النسبة المتبقية والبالغة 27.5% عبر الرسوم المفروضة على تراخيص البناء ومساهمات أصحاب العمل، وهي الموارد التي نضبت بفعل تراجع وتيرة إصدار التراخيص وضعف الملاءة المالية للمستثمرين.

من جانبها، تؤكد «منظمة العمل الدولية» (ILO) في تقاريرها حول العمالة غير المنظمة أن القطاعات التي تعتمد على العمل غير الرسمي، مثل البناء في إيران، تكون دائماً «خط الدفاع الأخير» والأكثر عرضة للتلاشي عند حدوث انكماش اقتصادي.

وترى المنظمة أن الخلل في تمويل صناديق التأمين لا يمثل فجوة مالية فحسب، بل يعكس انفصالاً بين الأطر التشريعية والواقع التنفيذي، حيث تؤدي عمليات التفتيش غير المنتظمة وإلغاء التغطية لبعض العمال إلى زيادة حالة الارتباك في سوق العمل وإضعاف الثقة في السياسات الحكومية الرامية للاستقرار الاجتماعي.

أخبار ذات صلة

مصفاة أصفهان، إحدى أكبر مصافي النفط في إيران، 8 نوفمبر 2023

إيران تخطط لإعادة تشغيل 80% من منشآت التكرير والتوزيع خلال شهرين

اقتصاد الحرب يضغط على القطاعات غير النفطية

من زاوية أوسع، يعكس ما يحدث في قطاع البناء في إيران تحولاً في طبيعة تأثير الحرب، حيث لم يعد مقتصراً على القطاعات الاستراتيجية، بل امتد إلى الأنشطة الاقتصادية اليومية، خاصة تلك المرتبطة بالاستثمار والإنفاق الرأسمالي.

وفي هذا الإطار، تشير تقديرات وكالة «موديز» (Moody’s) للتصنيف الائتماني إلى أن تصاعد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة أدى إلى قفزة في تكلفة التمويل وتراجع شهية الاستثمار في القطاعات غير النفطية الإيرانية.

وتوضح «موديز» أن قطاع التطوير العقاري والبناء يعد الأكثر تأثراً بحالة «الهروب من المخاطر»، حيث تدفع الضبابية الشركات إلى تأجيل المشاريع الرأسمالية طويلة الأمد، مما يتسبب بحلقة مفرغة من الركود تؤثر على نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.

وتتفاقم هذه الضغوط مع استمرار الموجات التضخمية التي تقدرها «غولدمان ساكس» (Goldman Sachs) عند مستويات تتجاوز 30% لعام 2026. ووفقاً لتحليلات اقتصادية، فإن هذا المستوى من التضخم يضاعف أثر البطالة على القوة الشرائية للأفراد؛ فبينما يتبخر الدخل نتيجة تعطل العمل، ترتفع أسعار السلع الأساسية بمعدلات تفوق قدرة الأسر على التكيف.

وتؤدي هذه المعادلة إلى تدهور مستويات الرفاه الاجتماعي وزيادة معدلات الإعالة داخل المجتمع، مما يضع ضغوطاً إضافية على شبكات الأمان الحكومية المجهدة بالفعل.

انعكاسات مباشرة على بيئة الاستثمار

تثبت البيانات الراهنة أن قطاع البناء في إيران تحول إلى «مرآة» تعكس الاختلالات العميقة التي خلفها اقتصاد الحرب على الأنشطة غير النفطية. فالتداخل بين تعثر التدفقات النقدية، وارتفاع معدلات البطالة الهيكلية، وفشل منظومات التأمين الاجتماعي، يشير إلى أن الأزمة انتقلت من مستواها الجيوسياسي الكلي إلى تفاصيل الحياة اليومية للطبقة العاملة.

وفي ظل غياب وضوح الرؤية بشأن تدفق الاستثمارات الأجنبية أو استقرار سلاسل التوريد، تبقى آفاق التعافي لقطاع البناء مرهونة بالقدرة على توفير سيولة طارئة وحماية المكتسبات التأمينية، وهو مسار يبدو محفوفاً بالتعقيدات في ظل استمرار الضغوط التضخمية وتصاعد مخاطر الائتمان.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف