logo
اقتصاد

موديز: حرب الشرق الأوسط تهدد الاقتصاد العالمي بتكاليف مرتفعة

موديز: حرب الشرق الأوسط تهدد الاقتصاد العالمي بتكاليف مرتفعة
قاعدة كيكوما الوطنية لتخزين النفط في مدينة إيماباري غربي البلاد، بمحافظة إهيمه، اليابان، 26 مارس 2026.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

أكدت وكالة «موديز» (Moody's) للتصنيفات الائتمانية أن الحرب في الشرق الأوسط لم تعد مجرد صراع إقليمي، بل باتت تمثل نقطة تحول محتملة في مسار الاقتصاد العالمي، إذا ما استمرت لعدة أشهر.

فالتداعيات لا تتوقف عند ارتفاع أسعار الطاقة، بل تمتد عبر قنوات معقدة تشمل التمويل، وسلاسل الإمداد، وهيكل التجارة الدولية، لتضع العالم أمام بيئة تشغيلية أكثر تكلفة وأقل استقراراً.

أخبار ذات صلة

سفينة حاويات عملاقة ترسو في ميناء جبل علي الذي تديره شركة "دي بي وورلد"

كيف تواجه اقتصادات المنطقة صدمة حرب إيران؟.. «موديز» تجيب

النفط عند 135 دولاراً في حال إغلاق «مضيق هرمز»

وينطلق تقرير الوكالة من فرضية أساسية مفادها بأن طول أمد الصراع هو العامل الحاسم، إذ إن اضطراباً ممتداً، أو إغلاقاً فعلياً لـ«مضيق هرمز»، كفيل بدفع أسعار النفط إلى متوسط يبلغ نحو 135 دولاراً للبرميل خلال الربع الثاني، مع بقائها فوق 100 دولار خلال أشهر الصيف، قبل أن تتراجع تدريجياً نحو 90 دولاراً بحلول نهاية 2026.

ولا تمثل هذه المسارات السعرية، كما توضح «موديز»، مجرد تقلبات دورية، بل تعكس صدمة مستدامة في تكاليف الطاقة ستعيد تسعير الاقتصاد العالمي بأكمله.

الصدمة تتجاوز الطاقة.. كيماويات وأسمدة وألمنيوم في مرمى الأزمة

غير أن النفط ليس سوى بداية القصة، إذ يلفت التقرير إلى أن الشرق الأوسط لا يمثل فقط مركزاً لإمدادات الطاقة، بل يشكل أيضاً محوراً رئيسياً لسلاسل توريد مواد أساسية في الاقتصاد الصناعي.

وتشير البيانات إلى أن دول الخليج وإيران والعراق تستحوذ على 55% من صادرات الحجر الجيري الصناعي، و47% من الكبريت غير المكرر، و28% من الكبريت المكرر، إلى جانب 23% من الإيثيلين و21% من الأمونيا و20% من الأسمدة و17% من الألمنيوم.

وتكشف هذه الأرقام أن أي اضطراب في المنطقة لا يقتصر على رفع أسعار النفط، بل ينشئ موجة تضخمية واسعة تمتد إلى الصناعات الكيماوية والزراعية، خاصة أن الغاز الطبيعي يشكل ما بين 60% و80% من تكلفة إنتاج الأسمدة النيتروجينية، فيما يمر نحو ثلث تجارة اليوريا عالمياً و10% من الألمنيوم عبر «مضيق هرمز».

والنتيجة، كما تصفها «موديز»، هي انتقال سريع للضغط من الطاقة إلى الغذاء والصناعة، ومن ثم إلى المستهلك النهائي.

هرمز تحت المجهر: كيف يتحكم ممر ضيق بأسعار الطاقة عالمياً؟
هرمز تحت المجهر: كيف يتحكم ممر ضيق بأسعار الطاقة عالمياً؟ المصدر: إرم بزنس

الأسواق المالية على حافة وضع الخطر

حتى الآن، بقيت الأسواق المالية في حالة ترقب، لكن التقرير يحذر من أن هذا الهدوء قد لا يدوم. فمع استمرار الصراع، يُتوقع أن يتحول المستثمرون إلى ما يُعرف بحالة «تجنب المخاطر»، ما يؤدي إلى اتساع فروق العوائد وارتفاع التقلبات، بالتوازي مع خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة.

وتبرز هنا نقطة أكثر حساسية تتعلق بهيكل الديون العالمية، إذ تشير «موديز» إلى أن 17% من ديون الشركات الأميركية و19% من ديون أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا تستحق قبل نهاية 2027.

وفي بيئة تتسم بارتفاع الفائدة وتشديد شروط الإقراض، تصبح هذه الاستحقاقات مصدر ضغط حقيقياً، خاصة على الشركات ذات التصنيف الائتماني المنخفض، التي تجد نفسها أمام تكلفة تمويل أعلى وقدرة أقل على الوصول إلى السيولة.

قطاعات تتضرر وأخرى تستفيد.. من الطيران إلى الدفاع

التأثير على الشركات، كما يوضح التقرير، ليس متساوياً، بل يتوزع بشكل غير متكافئ حسب طبيعة كل قطاع. ففي مقدمة القطاعات الأكثر تضرراً يأتي الطيران، حيث يشكل الوقود ثاني أكبر تكلفة بعد العمالة.

وقد ارتفعت أسعار وقود الطائرات في 2026 إلى أكثر من 4 دولارات للغالون مقارنة بمتوسط 2.11 دولار في 2025، ما يضع شركات الطيران، خصوصاً منخفضة التكلفة، أمام معادلة صعبة بين رفع الأسعار أو تقليص العمليات.

أما قطاع الكيماويات، فيواجه ضغوطاً مزدوجة من ارتفاع تكاليف المواد الأولية وتعطل سلاسل الإمداد، مع اعتماد كبير في آسيا على نفط الشرق الأوسط، يصل إلى 84% في اليابان و67% في كوريا و43% في الهند و42% في الصين. وتعني هذه النسب أن أي انقطاع في الإمدادات قد يفرض خفضاً في الإنتاج أو حتى توقفاً مؤقتاً لبعض المنشآت.

وفي منطقة وسطى بين الصدمة المباشرة والقدرة على التكيف، تقع قطاعات السيارات والتصنيع والسياحة والتجزئة، التي تواجه ضغوطاً متفاوتة لكنها غير حاسمة.

ففي صناعة السيارات، يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة والمعادن، خصوصاً الألمنيوم، إلى الضغط على الهوامش، في وقت يبقى فيه الطلب حساساً لأسعار الفائدة وتوافر التمويل. أما قطاع التصنيع، فيتأثر بارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، خاصة في أوروبا وآسيا، غير أن تنوع سلاسل التوريد وانتشار المصانع قرب الأسواق النهائية يمنح الشركات قدراً من المرونة.

وفي السياحة، يتقاطع عاملان رئيسيان يتمثلان في ارتفاع تكاليف السفر وتراجع ثقة المستهلك، ما يضغط على الطلب، رغم أن بعض الشركات تحتفظ بهوامش حماية بفضل الحجوزات المسبقة أو نماذج الأعمال المرنة.

أما قطاع التجزئة، فيعكس بشكل مباشر أثر التضخم على المستهلك، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الوقود والغذاء إلى تقليص الإنفاق، خصوصاً على السلع غير الأساسية، في حين تبقى الشركات الكبرى أكثر قدرة على امتصاص الصدمة بفضل حجمها وقوة سلاسل التوريد لديها.

في المقابل، تظهر قطاعات مثل الطاقة والدفاع كأبرز المستفيدين من هذه البيئة، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار وزيادة الإنفاق العسكري إلى تعزيز الإيرادات والتدفقات النقدية، ما يعكس الطبيعة المزدوجة للأزمات الاقتصادية التي تخلق خاسرين ورابحين في آن واحد.

أخبار ذات صلة

شاحنات لنقل الفحم في منجم بولاية تشاتيسغار بوسط الهند، وهي أكبر منجم فحم مكشوف في آسيا، 21 نوفمبر 2009

آسيا تعود إلى الفحم تحت ضغط أزمة الطاقة العالمية

الجغرافيا تحدد الخاسرين.. آسيا في القلب وأوروبا تحت الضغط

على مستوى الدول، يكشف التقرير عن تفاوت واضح في مستويات التعرض. فدول آسيا والمحيط الهادئ تقف في قلب المخاطر، باعتبارها الوجهة الرئيسية للنفط المار عبر «مضيق هرمز»، حيث تُظهر البيانات أن 56% من اقتصادات المنطقة تواجه تعرضاً متوسطاً للاضطرابات، مقابل 40% تعرض محدود و4% فقط تستفيد من التطورات.

وتبدو الدول منخفضة التصنيف في جنوب آسيا، مثل باكستان وسريلانكا وبنغلاديش والمالديف، الأكثر هشاشة، بسبب محدودية احتياطيات النقد الأجنبي واعتمادها الكبير على التمويل الخارجي، ما يجعلها عرضة لضغوط على ميزان المدفوعات في حال ارتفاع أسعار الطاقة أو تراجع عائدات السياحة.

وفي أوروبا، تأتي المخاطر من زاوية مختلفة، إذ تعتمد القارة على استيراد 57% من احتياجاتها من الطاقة، بما يشمل 85% من الغاز و97% من النفط، ما يجعلها حساسة لأي ارتفاع في الأسعار. وتشير تقديرات «موديز» إلى أن هذه الضغوط قد ترفع الدين العام الأوروبي بنحو نقطة مئوية إضافية ليقترب من 86% من الناتج المحلي.

أما الولايات المتحدة، فرغم تأثرها بارتفاع أسعار النفط عالمياً، يبقى تأثير الأزمة محدوداً نسبياً، في حين تواجه أميركا اللاتينية ضغوطاً معتدلة يمكن احتواؤها بفضل هوامش مالية قائمة. وفي إفريقيا، تتباين الصورة بين دول مصدرة تستفيد من ارتفاع الأسعار وأخرى مستوردة تواجه ضغوطاً تضخمية، مع تعرض 45% من الدول لمخاطر متوسطة مقابل 34% محدودة و21% إيجابية.

أخبار ذات صلة

منصة بحرية تابعة لشركة «قطر للطاقة» في حقل الشمال القطري

موديز: «قطر للطاقة» تمتص صدمة الهجمات وتحافظ على تصنيفها

نظام مالي مرن.. لكن بحذر

في القطاع المالي، تبدو الصورة أكثر توازناً، إذ تشير «موديز» إلى أن البنوك العالمية تتمتع بهوامش رأسمالية قوية تمكنها من امتصاص الصدمات، رغم احتمال تراجع النمو وزيادة المخاطر الائتمانية.

كما قد تستفيد البنوك الاستثمارية من ارتفاع التقلبات، في حين تواجه شركات التأمين مخاطر مطالبات أعلى، خاصة في مجالات الشحن والطيران، لكنها تبقى ضمن نطاق يمكن التحكم فيه بفضل إعادة التأمين.

ما بعد الصدمة.. عالم أكثر تكلفة وأقل كفاءة

في المحصلة، لا تبدو تداعيات الحرب محصورة في دورة أسعار أو اضطراب مؤقت في الإمدادات، بل تشير إلى تحوّل أعمق في بنية الاقتصاد العالمي، حيث تتقاطع الطاقة مع التمويل وسلاسل الإمداد في معادلة واحدة تضغط على النمو وترفع كلفة الاستقرار.

ومع امتداد الصراع، يتراجع هامش المناورة أمام الحكومات والشركات على حد سواء، في وقت تصبح فيه القرارات الاقتصادية أكثر ارتباطاً بعوامل جيوسياسية يصعب التنبؤ بها.

وفي هذا السياق، لا يبدو ما يجري مجرد صدمة عابرة، بل بداية انتقال تدريجي نحو اقتصاد عالمي تصبح فيه المخاطر الجيوسياسية جزءاً دائماً من معادلة التسعير، بما يعيد رسم حدود العولمة ويكرّس مرحلة جديدة عنوانها: تكلفة أعلى، وكفاءة أقل، وعدم يقين مستمر.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف