
تواصل الحكومة المصرية تحريك عجلة الإصلاح المالي بخطوات ملموسة، من خلال اعتماد حوافز ضريبية جديدة تهدف إلى تعزيز جاذبية السوق المحلية وجذب الاستثمارات الأجنبية، حيث تدرس السلطات المالية حالياً مشروعاً تشريعياً يسمح بإعفاء حملة وثائق صناديق الاستثمار من الضرائب على الأرباح، ضمن خطة أوسع لإعادة هيكلة السوق المالية وجعلها أكثر قدرة على استقطاب الأموال الأجنبية.
وفي الوقت الذي تدرس فيه الحكومة المصرية إعفاء حملة وثائق صناديق الاستثمار بأنواعها من الضرائب على الأرباح، بهدف تحفيز مشاركة الأفراد والمؤسسات في السوق، تخضع الصناديق الاستثمارية في مصر حالياً لضريبة على توزيعات الأرباح بنسبة 5% على حملة الوثائق من الأفراد الطبيعيين و15% على المؤسسات والشركات.
وتعول الحكومة المصرية على صناديق الاستثمار، التي تشمل أيضاً صناديق الاستثمار في الأسهم وأدوات الدخل الثابت والذهب والعقارات، لجذب المزيد من التدفقات الاستثمارية.
ومنذ يوليو 2023 تم إعفاء صناديق الاستثمار العقارية من ضريبة الأرباح الرأسمالية، لذلك تبحث السلطات المالية توسيع هذا الإعفاء ليشمل باقي صناديق الاستثمار، مما يوفر دفعة قوية للسوق ويخلق بيئة أكثر تنافسية مقارنة بالأسواق الإقليمية.
وشهدت صناديق الاستثمار في مصر توسعاً ملحوظاً خلال العامين الأخيرين، حيث بلغ صافي أصول صناديق الذهب نحو 2.2 مليار جنيه (46.2 مليون دولار) بنهاية مايو 2025، بعد أن اجتذبت أكثر من 210 آلاف مستثمر.
كما حقق صندوق AZ-Gold الذي تديره شركة «أزيموت مصر» نمواً لافتاً ليصل إلى 825.6 مليون جنيه في أغسطس 2024، فيما تدير الشركة أصولاً تصل إلى 12 مليار جنيه في السوق المحلي.
وفي عام 2024، سجلت مصر تدفقات استثمارية مباشرة بلغت 47 مليار دولار، مما وضعها في المرتبة التاسعة عالمياً في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وفقاً لتقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD).
ويُعزى هذا الأداء إلى مشروعات استراتيجية كبرى، أبرزها مشروع «رأس الحكمة» بقيمة 35 مليار دولار، بالإضافة إلى اتفاقيات مع مستثمرين من الإمارات والسعودية وقطر والصين وتركيا.
وخلال النصف الأول من 2025، استمرت هذه التوجهات الإيجابية، حيث استقطبت مصر 9 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مع توقعات بأن تصل القيمة الإجمالية بنهاية العام إلى ما بين 12 و15 مليار دولار، مدعومة بإصلاحات تشريعية مثل إصدار التراخيص الذهبية وتسهيل الإجراءات البيروقراطية وتعزيز البنية التحتية الرقمية.
كما شهدت الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومية المصرية، مثل أذون وسندات الخزانة، زيادة ملحوظة، حيث ارتفعت بنحو 6.92 مليار دولار خلال أول 5 أشهر من العام الحالي لتسجل 38.68 مليار دولار مقابل 31.76 مليار دولار في ديسمبر الماضي، مدفوعة بارتفاع العوائد على هذه الأدوات التي وصلت إلى 27.7% في النصف الأول من 2024/2025، وهو ما يعكس ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري.
وتواصل صناديق الاستثمار المصرية جذب الاستثمارات، خصوصاً في القطاعات المالية والتكنولوجية. وعلى سبيل المثال، أطلقت البنوك الحكومية صندوقاً بقيمة 85 مليون دولار لدعم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية، الأمر الذي يعكس التزام الحكومة بتطوير القطاع المالي وتعزيز دوره في جذب الاستثمارات الأجنبية.
وترى الخبيرة المصرفية سهر الدماطي في حديث مع «إرم بزنس» أن الإعفاء الضريبي المقترح يعتبر مفتاحاً أساسياً لجذب الاستثمارات الأجنبية إلى السوق المصرية، إذ تُعد الضرائب من العوامل الأكثر تأثيراً في قرارات المستثمرين، فكل تخفيف في الأعباء الضريبية يرفع من صافي العائد المتوقع، ما يعزز من تنافسية مصر مقارنة بالدول الإقليمية، مشيرة إلى أن التجارب السابقة، مثل الإعفاء من ضريبة الأرباح الرأسمالية في البورصة، أثبتت أن الحوافز الضريبية ترفع أحجام التداول وتعزز ثقة المستثمرين.
إلى ذلك، واصلت سوق الأوراق المالية المصرية مسارها الإيجابي خلال 2025، حيث سجل مؤشر EGX30 نحو 37,687 نقطة في أكتوبر، مرتفعاً بأكثر من 23% على أساس سنوي. وبلغت نسبة دوران الأسهم حوالي 47.6%، من أعلى المعدلات في الأسواق الناشئة. ورغم الأداء القوي، لا تزال القيمة السوقية للشركات المدرجة تمثل نحو 11% فقط من الناتج المحلي الإجمالي.
بدوره، أكد رئيس لجنة الموازنة بمجلس النواب والخبير الاقتصادي فخري الفقي في حديثه مع «إرم بزنس» أن مصر أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة سياستها الضريبية بما يخدم جذب الاستثمارات المؤسسية قصيرة وطويلة الأجل، مشدداً على أهمية الاستقرار التشريعي.
الفقي أوضح أن نجاح خطوة الإعفاء الضريبي يعتمد على وجود بيئة تنظيمية شفافة تحمي المستثمرين وتضمن الإفصاح الكامل عن أداء الصناديق، مضيفًا أن التحفيزات المالية وحدها لا تكفي دون إجراءات عملية لتعزيز الثقة.
وبرأي البرلماني المصري فإن الاستثمار في الصناديق يعدّ استثماراً آمناً حيث تدير الصناديق إدارة محترفة تعمل على تنويع الاستثمارات لتقليل المخاطر وتعظيم العوائد والأرباح مقارنة بالاستثمار في الذهب أو العقارات.
كما ترى الخبيرة المصرفية سهر الدماطي أن الإعفاء الضريبي ضروري لجذب المستثمرين المحليين والأجانب خاصة مع تراجع العوائد على الودائع البنكية وانخفاض أسعار الفائدة خلال 2025، وبذلك يصبح الاستثمار في الصناديق خياراً جذاباً لتحقيق عوائد أعلى مع توزيع للمخاطر.
وتشير إلى أن زيادة المشاركة المحلية في الصناديق تساهم في تحسن السيولة في السوق وتمكن من تمويل مشروعات جديدة، وهو ما يعزز النمو الاقتصادي ويقوي دور القطاع المالي في التنمية.
ودعت الخبيرة المصرفية إلى زيادة التوعية والمعرفة بصناديق الاستثمار خاصة في أوساط المستثمرين المحليين الراغبين في تعظيم مدخراتهم بطريقة آمنة.
وأكدت أن الإعفاء الضريبي للأرباح الاستثمارية يمثل خطوة استراتيجية قد تُعيد تنشيط السوق المالية المصرية وجذب رؤوس أموال جديدة، لكنه أيضاً اختبار لقدرة الدولة على التنفيذ الفعلي، فبينما تشكل الحوافز الضريبية عامل جذب مهم، تبقى الثقة والاستقرار التشريعي العنصر الحاسم في قرار المستثمر الأجنبي.