877 مليون دولار حجم سوق الذكاء الاصطناعي في مصر خلال 2024

بات الذكاء الاصطناعي من الأدوات الاقتصادية المحورية التي تعتمد عليها شركات التجزئة في مصر، بعدما تجاوز كونه مجرد تطور تكنولوجي ليصبح عنصراً أساسياً في إدارة الأعمال اليومية. ففي مواجهة الضغوط التضخمية، وتقلبات سلاسل الإمداد، وتغير سلوك المستهلك المحلي، تتجه الشركات إلى توظيف حلول الذكاء الاصطناعي كوسيلة عملية لضبط التكاليف، وحماية هوامش الربح، ورفع كفاءة ومرونة العمليات التشغيلية.
ومع ارتفاع تكاليف التشغيل وصعوبة تمرير الزيادات السعرية بالكامل إلى المستهلك، أصبح السؤال الرئيسي أمام تجار التجزئة: كيف يمكن الحفاظ على الربحية دون فقدان القدرة التنافسية؟ هنا يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة اقتصادية لا غنى عنها، وليس مجرد استثمار تقني طويل الأجل.
يُعد قطاع التجزئة من أكبر القطاعات المولِّدة لفرص العمل في مصر، وركيزة أساسية لتحريك الطلب المحلي. غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن تحول واضح في أولويات الشركات العاملة فيه. فبعد عقد من التوسع الأفقي وافتتاح الفروع، انتقل التركيز تدريجياً إلى رفع الإنتاجية وتحقيق ربحية مستدامة في بيئة تتسم بارتفاع التكاليف وتقلب الطلب.
وفي هذا السياق، تلعب تقنيات مثل التحليلات التنبؤية، والتعلّم الآلي، والرؤية الحاسوبية دوراً متزايد الأهمية في إعادة تشكيل نموذج العمل داخل المتاجر، والمخازن، وسلاسل التوريد.
يتزامن التحول في السوق المصرية مع نمو متسارع لسوق الذكاء الاصطناعي في تجارة التجزئة عالمياً. فبحسب تقديرات شركة «بي آند إس إنتليجنس» (P&S Intelligence)، ارتفع حجم السوق العالمية من نحو 6.7 مليار دولار في 2024 إلى قرابة 8.9 مليار دولار في 2025، مع استمرار الاتجاه الصعودي خلال السنوات المقبلة.
وتشير تقارير «كوهيرنت ماركت إنسايتس» (Coherent Market Insights) إلى أن السوق مرشحة للوصول إلى نحو 13.9 مليار دولار في 2026، قبل أن تقفز إلى ما يقرب من 97.8 مليار دولار بحلول 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يتجاوز 32%، وهو ما يعكس تحولاً هيكلياً في طريقة إدارة قطاع التجزئة عالمياً.
في الداخل المصري، تُظهر التقديرات أن سوق الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، بما في ذلك التجزئة، بلغت نحو 877.3 مليون دولار في 2024، مع توقعات بنموها بمعدل سنوي مركب يقارب 28.6٪ حتى عام 2030. ويُعد قطاع التجزئة من أكثر القطاعات استفادة من هذا النمو، نظراً لكثافة العمليات اليومية وحجم البيانات الناتجة عن حركة البيع والاستهلاك.
وعلى المستوى الكلي، تشير التوقعات إلى أن الاقتصاد المصري مرشح لتحقيق نمو حقيقي في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 5.8% خلال عامي 2025 و2026، مع وصول الناتج المحلي الإجمالي الاسمي إلى نحو 5.16 تريليون دولار في 2026، ما يعزز بيئة الاستثمار في التقنيات التي ترفع الكفاءة وتحد من الهدر.
رغم التوسع الكبير الذي شهده قطاع التجزئة في مصر خلال العقد الماضي، مدفوعاً بالنمو السكاني والتوسع العمراني والتحول الرقمي، فإن التحديات الاقتصادية الأخيرة، مثل تقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكاليف الاستيراد، واضطرابات سلاسل التوريد، كشفت عن ثغرات هيكلية في إدارة المخزون، والتسعير، والعمليات اللوجستية.
وفي ظل هذه الظروف، تواجه الشركات ضغوطاً متزايدة لتقليل الهدر، وتحسين دقة التنبؤ بالطلب، وتسريع الاستجابة لتغيرات السوق. وتُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي هنا لاستبدال القرارات التقليدية بقرارات قائمة على بيانات آنية وتحليلات دقيقة، ما يقلل من المخاطر التشغيلية ويحسّن كفاءة استخدام رأس المال.
يتقاطع هذا التحول مع «الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2030» في مصر، التي تضع الأتمتة، وتعظيم الاستفادة من البيانات، وتعزيز تنافسية القطاع الخاص ضمن أولوياتها. ويُعد قطاع التجزئة من أبرز القطاعات القابلة لتطبيق هذه الرؤية، لكونه يربط بين الإنتاج، واللوجستيات، والتمويل، والطلب الاستهلاكي في منظومة واحدة.
كما أسهم الانتشار الواسع لوسائل الدفع الرقمية، والمحافظ الإلكترونية، وحلول التكنولوجيا المالية، في تهيئة بنية تحتية مناسبة لاعتماد الحلول الذكية، خاصة في نماذج التجارة متعددة القنوات التي تجمع بين المتاجر التقليدية والتجارة الإلكترونية.
من منظور اقتصادي، يتمثل الأثر الأكثر مباشرة للذكاء الاصطناعي في التحكم في التكاليف. إذ تعتمد أدوات التنبؤ الذكي بالطلب على تحليل بيانات المبيعات والأنماط الموسمية والفروق الجغرافية، ما يساعد الشركات على تقليص المخزون الزائد، وخفض رأس المال المجمّد، والحد من خسائر نفاد السلع.
كما تتيح أنظمة التسعير الديناميكي، المدعومة بالتعلّم الآلي، تعديل الأسعار بصورة مرنة وفقاً لتغيرات الطلب وتكاليف التوريد وسلوك المنافسين، وهو ما يساعد على حماية هوامش الربح في سوق تتسم بتقلبات سعرية مستمرة.
يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى تحسين كفاءة سلاسل الإمداد داخل مصر، من خلال التنبؤ بتأخيرات التوريد، وتحسين مسارات النقل، وإدارة المستودعات بكفاءة أعلى، ما ينعكس في خفض تكاليف النقل والتخزين.
وفي الوقت نفسه، تمكّن هذه التقنيات الشركات من فهم أدق لتفاوت أنماط الاستهلاك والدخل داخل السوق المصري، وتقديم عروض مخصصة وتسعير محلي أكثر دقة، بما يعزز المبيعات دون زيادة كبيرة في الإنفاق التسويقي.
بحسب تقديرات صناعية، بدأ أكثر من 75% من تجار التجزئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع بروز مصر كأحد أكثر الأسواق نشاطاً. ورغم التحديات المرتبطة بتكاليف الاستثمار ونقص المهارات، فإن الاتجاه العام يشير إلى تعمّق هذا التحول خلال السنوات المقبلة.
في سوق تتسم بارتفاع التكاليف وضيق الهوامش، لم يعد الذكاء الاصطناعي خياراً مستقبلياً أو أداة تجريبية، بل أصبح وسيلة بقاء اقتصادي تساعد قطاع التجزئة في مصر على التكيّف، ورفع الكفاءة، وتعزيز قدرته التنافسية إقليمياً.