logo
اقتصاد

اقتصاد الصين يعود إلى مسار النمو المستهدف بدعم من التحفيز

اقتصاد الصين يعود إلى مسار النمو المستهدف بدعم من التحفيز
عامل يعالج منتجات نحاسية في ورشة شركة «جيانغسو بويوان» لتكنولوجيا المعادن المحدودة، في مدينة هوايآن بمقاطعة جيانغسو في الصين، يوم 19 أبريل 2026.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

استعاد الاقتصاد الصيني زخمه خلال الربع الثالث من عام 2026، مسجلاً نمواً فاق التوقعات، بدعم من حزم التحفيز الحكومية وارتفاع الإنتاج الصناعي وطفرة الصادرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، رغم استمرار ضعف الاستهلاك المحلي وتفاقم أزمة القطاع العقاري.

وأظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء في الصين، الصادرة الاثنين، نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.5% على أساس سنوي خلال الربع الثالث، مقارنة بنمو بلغ 4.3% في الربع الثاني، ليرتفع معدل النمو خلال الأشهر التسعة الأولى من العام إلى 4.6%.

وبذلك عاد ثاني أكبر اقتصاد في العالم إلى نطاق النمو السنوي الذي تستهدفه بكين، والبالغ بين 4.5% و5%، ما يعزز احتمالات تحقيق الهدف الحكومي دون الحاجة إلى إطلاق حزم تحفيز واسعة إضافية خلال الأشهر المتبقية من العام.

ووفقاً لوكالة «بلومبرغ»، فإن التعافي جاء مدفوعاً بقوة نشاط المصانع والصادرات، ولا سيما القطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لكنه لم ينعكس بصورة ملموسة على الطلب المحلي، ما يكشف عن اختلال متزايد بين محركات النمو الصينية.

الإنتاج الصناعي يقفز والاستهلاك يتعثر

أظهرت البيانات تسارع نمو الإنتاج الصناعي إلى 5.5% خلال سبتمبر، وهو أعلى مستوى في 6 أشهر، في حين سجلت مبيعات التجزئة ارتفاعاً محدوداً بنسبة 1.1%، مدعومة جزئياً بارتفاع الأسعار وتبكير موعد إحدى العطلات الرسمية.

ويعكس هذا التباين استمرار اعتماد الاقتصاد الصيني على التصنيع والتصدير، مقابل ضعف إنفاق الأسر نتيجة استمرار أزمة سوق العقارات وتباطؤ سوق العمل.

وقال ديف تشيا، الاقتصادي لدى «موديز أناليتكس»، إن النمو الصيني بات يعتمد على محرك خارجي واحد بدأت تظهر عليه علامات الضعف، محذراً من تصاعد المخاطر التجارية.

وتشير هذه التطورات إلى أن قوة القطاع الصناعي لم تعد كافية لتحفيز بقية قطاعات الاقتصاد، في ظل إحجام الأسر عن زيادة الإنفاق وتراجع ثقة المستهلكين.

أخبار ذات صلة

سفن حاويات ترسو بمحطة تشيانوان بميناء تشينغداو في الصين.

الصادرات تنقذ نمو الصين.. والصورة ليست وردية

بكين تقلص الحاجة إلى تحفيز إضافي

كانت السلطات الصينية قد كثفت دعم الاقتصاد قبل نحو 3 أسابيع، عبر إطلاق إجراءات تحفيزية جديدة ركزت بصورة أساسية على الاستثمار، مع تقديم دعم محدود للأسر من خلال إعانات الرهن العقاري لبعض المشترين المؤهلين.

كما سرعت الحكومة إصدار السندات لتمويل مشروعات البنية التحتية والاستثمارات العامة، بهدف تعويض ضعف الإنفاق الاستهلاكي واستثمارات الشركات.

وبحسب بيانات جمعتها «بلومبرغ»، تسارع إصدار السندات الخاصة للحكومات المحلية المخصصة للاستثمار خلال الربع الثالث إلى أعلى مستوياته منذ بداية 2025 على الأقل.

ورغم ذلك، ظل الإنفاق المالي أقل من المستويات المخطط لها، وسط توقعات بأن تسهم مشروعات «الشبكات الست» وحصص الاقتراض الإضافية الممنوحة للمقاطعات في دعم النشاط الاستثماري خلال الفترة المقبلة.

وقالت هيلين تشياو، كبيرة الاقتصاديين لشؤون الصين الكبرى لدى «بنك أوف أميركا غلوبال ريسيرش»، إن قوة جانب العرض التي أظهرها الاقتصاد خلال سبتمبر ترجح إبقاء الدعم الحكومي عند مستوياته الحالية، مع تعديلات محدودة فقط.

من جانبها، توقعت وحدة «بلومبرغ إيكونوميكس» استمرار الدعم الحكومي بوتيرة معتدلة للحفاظ على زخم النمو وضمان تحقيق الهدف السنوي، مع تحول اهتمام صناع القرار تدريجياً نحو السياسات الاقتصادية لعام 2027.

الصادرات تقود النمو وتثير التوترات التجارية

في ظل ضعف الطلب الداخلي، أصبحت الصين أكثر اعتماداً على التجارة الخارجية لدعم اقتصادها، مستفيدة من ارتفاع الطلب العالمي على الإلكترونيات والمعدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وسجل الاستثمار في القطاعات الموجهة للتصدير، مثل الإلكترونيات ومعدات النقل، نمواً قوياً خلال سبتمبر، مع استمرار تسجيل زيادات مزدوجة الرقم في بعض الصناعات.

لكن هذه الطفرة تثير مخاوف متزايدة لدى الشركاء التجاريين لبكين، مع اتجاه الفائض التجاري الصيني إلى تسجيل مستوى قياسي جديد خلال 2026، متجاوزاً 1.2 تريليون دولار المسجلة في 2025.

ويعمل الاتحاد الأوروبي على إعداد صلاحيات تجارية جديدة قد تتيح تقييد وصول المنتجات الصينية إلى السوق الموحدة، في إطار مساعيه لإعادة التوازن إلى العلاقات التجارية مع بكين.

كما تتزايد الضغوط الدولية على الصين للسماح بارتفاع قيمة اليوان، وسط اتهامات بأن انخفاض العملة يمنح المصدرين الصينيين ميزة تنافسية غير عادلة.

ووفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، تراوحت نسبة انخفاض قيمة اليوان عن مستواه العادل خلال 2026 بين 17.3% و25.3%، بمتوسط يبلغ 21.3%.

أخبار ذات صلة

روبوت حديث في مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي 2024 في شنغهاي، الصين - 4 يوليو 2024.

الصين تعتزم فرض قيود على تصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي

العقارات تواصل الضغط على الاقتصاد

وعلى الرغم من تحسن النمو الإجمالي، لا يزال القطاع العقاري يمثل أحد أبرز مصادر الضعف في الاقتصاد الصيني. وأظهرت البيانات انخفاض الاستثمارات العقارية بنسبة 20.6% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، ما ساهم في تراجع إجمالي الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 7.2%.

في المقابل، تحسن معدل البطالة في المناطق الحضرية بصورة غير متوقعة إلى 5.2% خلال سبتمبر، مقارنة مع 5.3% في أغسطس.

وقالت شيانا يو، كبيرة الاقتصاديين لدى «أكسفورد إيكونوميكس»، إن استمرار أزمة الإسكان سيحد من انتقال آثار الانتعاش الصناعي إلى بقية الاقتصاد. وعلى صعيد الاستهلاك، أسهم ارتفاع مبيعات معدات الاتصالات والمواد الغذائية وبعض السلع الاستهلاكية في دعم مبيعات التجزئة خلال سبتمبر.

وباستثناء السيارات، التي شهدت مبيعاتها تراجعاً حاداً عقب تقليص الدعم الحكومي، ارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 3.9% على أساس سنوي، وهي أسرع وتيرة منذ أكتوبر 2025.

غير أن ارتفاع الأسعار قد يكون ساهم في تضخيم هذا التحسن، نظراً إلى أن الصين تنشر بيانات مبيعات التجزئة بالقيمة الاسمية دون تعديلها وفق التضخم.

مخاوف من تباطؤ النمو إلى 4% في 2027

ورغم عودة الاقتصاد إلى نطاق النمو المستهدف، يتوقع محللون أن تتباطأ وتيرة التوسع الاقتصادي الصيني إلى نحو 4% خلال 2027، مع استمرار ضعف الاستهلاك المحلي وتراجع الاستثمار العقاري وتصاعد التوترات التجارية.

وقال شينغ تشاوبنغ، كبير استراتيجيي الصين لدى مجموعة «أستراليا ونيوزيلندا المصرفية»، إن التعافي الاقتصادي لا يزال هشاً بسبب عدم استقرار آفاق السياسة المالية، مشيراً إلى أن قدرة الحكومة على توسيع الإنفاق ستكون عاملاً حاسماً خلال المرحلة المقبلة. وأضاف أن مخاطر تراجع النمو في 2027 لا تزال قائمة، رغم الإجراءات الحكومية الأخيرة.

من جانبه، قال تينغ لو، كبير الاقتصاديين لشؤون الصين لدى «نومورا»، إن الطلب المحلي لا يزال ضعيفاً إلى درجة قد تدفع المستثمرين إلى تجاهل التحسن الظاهر في أرقام الناتج المحلي الإجمالي.

وحذر من أن التحديات الاقتصادية قد تتفاقم خلال العام المقبل، في ظل استمرار الاعتماد المفرط على الصادرات وضعف قدرة الاقتصاد المحلي على توليد نمو مستدام.

وتكشف بيانات الربع الثالث أن الصين باتت أقرب إلى تحقيق هدفها الاقتصادي لعام 2026، لكن التحدي الأكبر أمام بكين يتمثل في تحويل طفرة الإنتاج والصادرات إلى تعافٍ أوسع يشمل الاستهلاك والاستثمار الخاص، بما يقلل اعتماد ثاني أكبر اقتصاد في العالم على الطلب الخارجي.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف