
أدى ازدهار الذكاء الاصطناعي، الذي بات يُعترف به على نطاق واسع في مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) باعتباره عاملاً مساهماً في ارتفاع التضخم، إلى قيام محافظي البنوك المركزية بالدعوة إلى ضرورة تهدئة الاقتصاد ككل لخفض ضغوط الأسعار التي تفاقمت بفعل شركات عملاقة مثل «أمازون» و«أبل» و«أنثروبيك»، والتي كانت تُعتبر بمنأى عن رفع أسعار الفائدة، كما أوردت وكالة «رويترز».
ويدرك مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي أن أداة رفع تكاليف الاقتراض، التي تُعتبر غير دقيقة، تُؤثر سلباً على الاقتصاد. فمع إنفاق شركات الذكاء الاصطناعي ببذخ وكأن المال لا يُمثل عائقاً، يرى الاقتصاديون أن وطأة رفع أسعار الفائدة ستقع على عاتق جهات أخرى، كالشركات والأسر الأكثر اعتماداً على الائتمان، أو الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تُقلل من خططها الاستثمارية مع ارتفاع تكاليف الاقتراض.
وتقول نيلا ريتشاردسون، كبيرة الاقتصاديين في شركة «إيه دي بي»، في معرض حديثها عن هدف الاحتياطي الفيدرالي المتمثل في خفض التضخم إلى 2%، وهو هدف لم يتحقق منذ أكثر من خمس سنوات، إن «هناك مسارات للوصول إلى هذا الهدف، لكن ليست كل الطرق متاحة». وتوضح أن «سوق الإسكان، على سبيل المثال، يعاني بالفعل من الضعف، كما أن سوق العمل لا يُنظر إليه حالياً كمصدر للتضخم من خلال ارتفاع الأجور».
وتضيف ريتشاردسون: «ما الذي تبقى إذن؟ هناك الشركات الصغيرة التي تعتمد على القروض المصرفية، والمستهلكون الذين يحتاجون إلى تمويل مدفوعاتهم عبر الديون وبطاقات الائتمان... وربما سوق الأسهم، الذي يُعتبر داعماً لإنفاق الأسر الأكثر ثراءً، لكنه في الوقت ذاته غالباً ما يكون عرضة للتأثر سلباً بارتفاع أسعار الفائدة».
في الواقع، شهدت أسواق الأسهم تراجعاً في الأسبوع الماضي، بعد أن جاء تقرير التضخم أقوى من المتوقع، مما عزز التوقعات بأن يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة لمستويات أعلى.
وقد أشارت بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، مؤخراً إلى أن تباطؤ مكاسب سوق الأسهم وتراجع النشاط الاقتصادي -بعيداً عن الطفرة في قطاع الذكاء الاصطناعي- «يمثلان وسيلتين يمكن من خلالهما لأسعار الفائدة المرتفعة أن تسهم في تهدئة الاقتصاد هامشياً».
وصرحت هاماك لوكالة «رويترز» قائلة: «أنا أدعم النمو... ولا أسعى لإيقافه، بل أحاول فقط كبح جماحه قليلاً ليتحرك بوتيرة لا تفرض ضغوطاً سعرية مفرطة».
وتسلط هذه التعليقات، التي أدلت بها هاماك وآخرون خلال مؤتمر للرابطة الوطنية لاقتصاديات الأعمال، الضوء على جانب لم يحظَ بنقاش كافٍ في ما يتعلق برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي: «كيف يمكن لارتفاع تكاليف الاقتراض أن يتغلغل في الاقتصاد الحالي ويؤدي إلى تباطؤ التضخم؟».
ومن المقرر أن يعقد الاحتياطي الفيدرالي اجتماعاً في الفترة من 27 إلى 28 أكتوبر، ومن المتوقع أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة في نطاق 3.75% إلى 4.00%. ويشير مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي إلى أن هناك حاجة محتملة لمزيد من الرفع، وهم يناقشون حالياً وتيرة هذا الرفع ونطاقه.
وفي سياق متصل، أقر كيفن وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، خلال اجتماع لصندوق النقد الدولي في تايلاند الأسبوع الماضي، بأن «الاستثمار في الذكاء الاصطناعي شكّل صدمة للأسعار والطلب»، رغم توقعه تحقيق مكاسب في الثروة والإنتاجية على المدى البعيد.
وقال وارش: «بصفتك مسؤولاً في بنك مركزي، ومهمتك هي ضمان استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، عليك أن تدرك أن هذا الأمر يمثل صدمة». ولم يتطرق وارش إلى الكيفية التي قد يضطر بها الاحتياطي الفيدرالي للاستجابة لضغوط الأسعار المتزايدة، ولا إلى تداعيات ذلك خارج نطاق قطاعٍ يُتوقع أن يستثمر نحو تريليون دولار في العام المقبل، وهو ما يعادل تقريباً 3% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي مؤتمر صحفي عُقد عقب اجتماع السياسة النقدية الشهر الماضي، ذكر وارش أنه لا يعتقد أن الاحتياطي الفيدرالي سيحتاج إلى «إلحاق الضرر بأسواق العمل من أجل إعادة التضخم إلى مستوى 2%».
وفي وقت سابق من الصيف، أشار وارش إلى أن قطاعي الإسكان والزراعة يظهران بوادر ضغوط نتيجة ارتفاع تكاليف الاقتراض، رغم أنه لم يعتبر ظروف الائتمان تقييدية.
لكنه لم يوضح بالتفصيل كيف يمكن لأسعار الفائدة المرتفعة أن تؤدي إلى خفض التضخم، أو أين قد تظهر التبعات الاقتصادية المؤلمة.
وقال تشارلز إيفانز، الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، خلال حلقة نقاشية حول البنوك المركزية نظمتها الرابطة الوطنية لاقتصاديات الأعمال (NABE): «لقد صرح وارش بأنه لا يرى تعارضاً بين التضخم والبطالة. وهذا الأمر يستحق مزيداً من التوضيح، ببساطة. فمخاطر وتبعات رفع أسعار الفائدة إلى مستويات أعلى بهدف كبح التضخم معروفة جيداً».