logo
اقتصاد

الأمن الغذائي الخليجي أمام اختبار الحرب.. مخزون قوي وسلاسل إمداد مرنة

150 مليار دولار سنوياً حجم تجارة الغذاء في الخليج

وزارة الاقتصاد الإماراتية: مخزون يكفي 6 أشهر من السلع الأساسية

الأمن الغذائي الخليجي أمام اختبار الحرب.. مخزون قوي وسلاسل إمداد مرنة
متسوقون أمام مركز «لولو» التجاري في العاصمة الإماراتية أبوظبي يوم 4 نوفمبر 2024.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

رغم تداعيات الحرب في المنطقة وتعطل بعض مسارات الشحن، لم تشهد أسواق الغذاء في دول مجلس التعاون الخليجي اضطرابات واسعة، في اختبار مبكر لمنظومة الأمن الغذائي التي بنتها الحكومات الخليجية خلال العقدين الماضيين.

وتضع الحرب سلاسل الإمداد الغذائية في المنطقة أمام تحدٍ حقيقي، مع اضطراب حركة الشحن عبر «مضيق هرمز» الذي تمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية وجزء مهم من تجارة السلع المتجهة إلى أسواق الخليج. ويقدّر حجم تجارة الغذاء في دول مجلس التعاون الخليجي بأكثر من 150 مليار دولار سنوياً، ما يجعل استقرار سلاسل الإمداد مسألة اقتصادية واستراتيجية في آن واحد.

تعتمد اقتصادات الخليج بدرجة كبيرة على الأسواق العالمية لتأمين احتياجاتها الغذائية، إذ تشير تقديرات منظمات دولية إلى أن ما بين 80% و90% من الغذاء في دول المجلس يأتي عبر الاستيراد. غير أن دول المنطقة استثمرت منذ أزمة الغذاء العالمية عام 2008 في بناء منظومة أمن غذائي تقوم على المخزونات الاستراتيجية وتنويع مصادر الاستيراد وتطوير البنية التحتية اللوجستية، وهو ما يمنحها مرونة أكبر في التعامل مع الأزمات مقارنة بالماضي.

أخبار ذات صلة

بائع خضروات وفواكه في إحدى أسواق دبي، الإمارات، يوم 24 يوليو 2023

الإمارات تؤكد وفرة السلع وتراجع الأسعار مع تدفق الإمدادات

مخزونات استراتيجية وهامش أمان

تلعب المخزونات الغذائية دوراً محورياً في قدرة دول الخليج على التعامل مع اضطرابات التجارة العالمية. ففي الإمارات يعتمد نظام الأمن الغذائي الوطني على مزيج من المخزونات الاستراتيجية والتعاقدات طويلة الأجل مع الموردين الدوليين، إضافة إلى شبكة لوجستية متقدمة تسمح بإعادة توجيه الشحنات عند الحاجة.

وفي قطر، يضم مشروع الأمن الغذائي في ميناء حمد أكثر من 51 صومعة حبوب حديثة قادرة على تخزين مئات آلاف الأطنان من القمح والدقيق. أما في السعودية فقد وسعت «الهيئة العامة للأمن الغذائي» شبكة صوامع الحبوب لتصل طاقتها التخزينية إلى أكثر من 3.4 ملايين طن من القمح والحبوب في عدة موانئ ومدن رئيسية.

وفي الكويت تدير «الشركة الكويتية للتموين» أحد أكبر أنظمة التخزين الغذائي في المنطقة، إذ تضم منشآت وصوامع قادرة على تغطية الاستهلاك المحلي لعدة أشهر ضمن برنامج الأمن الغذائي الحكومي. كما استثمرت البحرين في تطوير مرافق التخزين الغذائي في «ميناء خليفة بن سلمان» لتعزيز قدرة المملكة على الاحتفاظ بمخزونات استراتيجية من الحبوب والمواد الغذائية الأساسية.

حاويات بميناء جبل علي في دبي - الإمارات
حاويات بميناء جبل علي في دبي - الإمارات المصدر: وكالة أنباء الإمارات «وام»

إجراءات حكومية تضمن استقرار الأسواق

إلى جانب المخزونات الاستراتيجية، اتخذت الحكومات الخليجية إجراءات إضافية لضمان استقرار الأسواق خلال الأزمة.

ففي الإمارات، أكدت وزارة الاقتصاد والسياحة أن الدولة تمتلك مخزوناً استراتيجياً من السلع الأساسية يكفي لتغطية احتياجات السوق لمدة تصل إلى ستة أشهر. وأوضحت أن فرق التفتيش الحكومية نفذت أكثر من 7,105 جولة رقابية في الأسواق منذ بداية الأزمة الإقليمية لضمان استقرار الأسعار وتوافر السلع.

كما أشارت الوزارة إلى أن نظام مراقبة الأسعار يرتبط بنحو 627 منفذ بيع رئيسياً تمثل نحو 90% من تجارة السلع الأساسية في الدولة، ما يسمح للسلطات بمتابعة حركة الأسعار والإمدادات بشكل مباشر.

وفي السعودية، أكدت وزارة البيئة والمياه والزراعة أن سلاسل الإمداد الغذائية تعمل بشكل طبيعي رغم التوترات الإقليمية، مشيرة إلى توفر مخزون كافٍ من السلع الأساسية. وفي إطار تعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية أعلنت «الهيئة العامة للأمن الغذائي» شراء نحو 794 ألف طن من القمح في مناقصة دولية، وهي كمية تفوق الهدف الأولي للمناقصة البالغ 655 ألف طن.

أما في الكويت فقد اتخذت الحكومة سلسلة إجراءات لحماية الإمدادات الغذائية، أبرزها حظر تصدير جميع المواد الغذائية عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية للحفاظ على المخزون المحلي، إلى جانب تحديد سقف لأسعار السلع الغذائية لمنع أي زيادات غير مبررة.

وفي قطر أكدت السلطات أن المخزونات الغذائية والدوائية متوافرة بكميات كافية وأن الأسواق تعمل بشكل طبيعي، داعية السكان إلى تجنب الشراء بدافع القلق. كما كثفت البحرين حملات التفتيش على الأسواق لضمان استقرار الأسعار وتوافر السلع الأساسية.

أخبار ذات صلة

متسوقون في أروقة «ذا أفينوز»، أكبر مركز تسوق في الكويت - 16 يونيو 2023.

الكويت تثبت أسعار السلع الغذائية وتحظر تصديرها مع تصاعد التوترات

دعم استقرار الإمدادات

إلى جانب الإجراءات الحكومية، تلعب شركات الصناعات الغذائية دوراً مهماً في دعم استقرار الإمدادات في المنطقة.

ففي دبي، قالت شركة «الخليج للسكر»، أكبر مصفاة مستقلة لتكرير السكر في العالم بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 1.5 مليون طن سنوياً، إن لديها مخزوناً من السكر الخام يكفي لمدة تصل إلى عامين. وتعتمد الشركة على استيراد السكر الخام من البرازيل والهند وتايلاند قبل تكريره في دبي وإعادة تصديره إلى أكثر من 50 دولة.

كما تسهم شركات الغذاء الإقليمية في دعم استقرار الأسواق، مثل شركة المراعي التي تدير شبكة إنتاج وتوزيع واسعة تمتد عبر عدة دول في المنطقة وتغطي معظم أسواق الخليج. وفي قطر توسع إنتاج الألبان خلال السنوات الأخيرة مع إنشاء مزارع كبيرة أصبحت من بين أبرز منتجي الألبان في المنطقة.

وتشير هذه التطورات إلى أن سلاسل الإمداد الغذائية في الخليج لم تعد تعتمد فقط على الاستيراد المباشر، بل تشمل أيضاً صناعات غذائية إقليمية ومرافق تخزين كبيرة وشبكات توزيع عابرة للحدود.

أخبار ذات صلة

واجهة مبنى غرفة قطر

قطر.. المخزون المحلي من السلع مطمئن والأسواق لم تتأثر بالظروف الراهنة

متاجر التجزئة تحافظ على الإمدادات

في قطاع التجزئة، تؤكد الشركات الكبرى أن الأسواق ما تزال تعمل بشكل طبيعي رغم التوترات.

فقد أعلنت مجموعة «لولو هايبر ماركت» (LuLu Hypermarket)، التي تدير أكثر من 250 متجراً في الشرق الأوسط وآسيا، إن متاجرها في الإمارات ما تزال مملوءة بالسلع الغذائية والمنتجات الأساسية رغم اضطرابات الشحن. وأوضحت الشركة أنها عدلت سلاسل التوريد بسرعة عبر تنويع طرق الشحن واستخدام النقل الجوي لبعض السلع سريعة التلف ونقل شحنات عبر موانئ بديلة خارج «مضيق هرمز».

وفي قطر، أكدت سلاسل التموين الكبرى أنها عززت عمليات التوريد ووسعت عمليات المتاجر لضمان استمرار توفر المواد الغذائية.

بنية لوجستية تقلل المخاطر

تلعب البنية التحتية اللوجستية المتطورة في الخليج دوراً أساسياً في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد، إذ يعد «ميناء جبل علي» في دبي أكبر ميناء للحاويات في الشرق الأوسط بطاقة استيعابية تتجاوز 19 مليون حاوية سنوياً، ويعمل كمركز لإعادة التصدير إلى أكثر من 150 ميناء حول العالم.

كما تمتلك الإمارات موانئ استراتيجية خارج «مضيق هرمز» مثل «الفجيرة» و«خورفكان» على الساحل المطل على المحيط الهندي. وفي عُمان يوفر ميناءا «صحار» و«الدقم» منافذ بحرية إضافية خارج المضيق، بينما تمتلك السعودية موانئ رئيسية على البحر الأحمر مثل «ميناء جدة الإسلامي» الذي يربط الخليج بالأسواق العالمية عبر مسارات بديلة.

وتشير هذه المعطيات إلى أن نموذج الأمن الغذائي في الخليج، القائم على الاستيراد المدعوم بالمخزونات الاستراتيجية والبنية اللوجستية والقدرة المالية، أصبح أكثر قدرة على التعامل مع الصدمات الجيوسياسية، حتى في ظل اضطرابات إقليمية واسعة مثل الحرب الدائرة حالياً في المنطقة.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف