
باستحواذ القطاع الخاص على 35% من الاستثمارات في العراق، مقابل 65% لنظيره الحكومي، تخطو بغداد نحو الخروج من عنق زجاجة النفط والأزمات الإقليمية وتداعياتها لاسيما واقتصاد البلاد يرتكز بشكل أساسي على إيرادات نفطية بنسبة تتجاوز 90%.
تلك الخطوات تعززها استراتيجية تطوير القطاع الخاص التي نوقشت خطتها لأعوام 2026 و2030، قبل أيام، وسط تعويل على دور أكبر للمجلس الدائم لتطوير القطاع الخاص الذي أسس قبل نحو عقد من الزمن في تعظيم الاستثمارات، وفق ما ذهب له خبراء اقتصاد وعضو بالمجلس، تحدثوا لـ«إرم بزنس»، متوقعين أن السنوات المقبلة قد تشهد مساهمة كبيرة لذلك القطاع الحيوي في دعم الاقتصاد وتنوعه وعدم اقتصاره على إيرادات النفط.
وفي 20 يناير الجاري، سجّلت استثمارات القطاع الخاص ارتفاعاً قياسياً بقطاعات الطاقة والإسكان والصحة والتعليم والنقل والخدمات عبر أكثر من 850 طلباً استثمارياً، بحسب ما أعلنته الهيئة الوطنية للاستثمار في العراق.
وبلغ حجم الاستثمارات المتحققة خلال السنوات الثلاث الماضية بلغ أكثر من 102 مليار دولار، في مؤشر واضح على تصاعد ثقة المستثمرين وبما يمهد لتحقيق أرقام أعلى خلال عام 2026، وفقاً لوكالة الأنباء العراقية.
وقبل تلك الإحصاءات بأيام قليلة، كشفت وزارة التخطيط العراقية، أنها ناقشت استراتيجية تطوير القطاع الخاص (التي انطلقت 2016 وتستمر حتى 2030) للمرحلة المقبلة مع المجلس الدائم لتطوير القطاع الخاص.
وأكدت في بيان يوم 16 يناير الجاري أن استحداث المجلس الدائم لتطوير القطاع الخاص يمثل حجر الأساس في دعم مسار الإصلاح الاقتصادي والقيام بتهيئة بيئة أكثر دعماً لنشاط القطاع الخاص بما ينعكس إيجاباً على بنية الاقتصاد العراقي، ويعزز مكانة القطاع الخاص كشريك محوري في عملية التنمية.
ويترأس المجلس الأول من نوعه، رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، ويشغل وزير التخطيط منصب النائب الأول، فيما يتولى النائب الثاني أحد ممثلي القطاع الاقتصادي الخاص، وهو حاليا عبد الله صالح الجبوري، وذلك بعضوية 200 عضو يمثلون من مختلف الأنشطة الاقتصادية، وفق المصدر ذاته.
عضو الهيئة العامة لمجلس القطاع الخاص، واتحاد رجال الأعمال العراقيين، عبد الحسن الزيادي، أوضح لـ«إرم بزنس»، أن «الاهتمام بالقطاع الخاص هو زواية أي تطور»، مشيراً إلى أنه «للتو عائد من الصين في زيارة عمل، ورأى أنه لا تطور لأي دولة وليس العراق فقط إلا بتطوير القطاع الخاص».
وأكد أن «استراتيجية الحكومة بشأن القطاع الخاص ومجلسه، خطوة هامة في تعزيز دوره بصورة لم تكن موجودة من قبل، لكن التحدي الأكبر هو همينة القطاع العام بصورة أكبر».
ورغم ذلك يرى الزيادي، أن «القطاع الخاص بات منتشراً في قطاعات عديدة ويراهن عليه الفترة المقبلة في نقلة اقتصادية وتنوع في الإيرادات بعيد عن النفط»، متوقعاً أن القطاع سيسهم في المهام الرئيسية في الدولة العراقية لاسيما المشاريع الصناعية السنوات المقبلة.
وفي نوفمبر الماضي، قالت وزارة التخطيط العراقية إن حجم استثمارات القطاع الخاص في العراق ضمن الخطة الخمسية الحالية (2024 – 2028) سيصل إلى نحو 84 تريليون دينار، لافتة إلى أن القطاع الخاص شريك في جميع مراحل الإعداد والتنفيذ لخطة التنمية الخمسية، وقد حظي بمساحة واسعة في المشهد الاستثماري العراقي الذي حددته الخطة الخمسية.
وأضافت أن نسبة مساهمة القطاع الخاص في البرنامج الاستثماري بشكل عام تبلغ 35% مقابل 65% للقطاع العام، بما يمثل بالأرقام حوالي 84 تريليون دينار من حجم الاستثمارات التي سينفذها القطاع الخاص.
الخبير الاقتصادي العراقي، نبيل جبار التميمي، في حديث لـ«إرم بزنس»، شبه المجلس الدائم بلجنة أسست بقرار تنفيذي وليست كمؤسسة رئيسية وبالتالي تناقش وتقدم سياسات ومقترحات، مؤكداً أن المجلس الدائم واستراتيجية تطوير القطاع حلقة وصل مهمة بين أطرافها والحكومة ودورهما مطلوب ورئيسي في دعم اقتصاد العراق. لكن ليس لقراراتهما صفة الإلزام.
ويعتقد التميمي أن ذلك المجلس في ضوء الاستراتيجية يساهم في إزالة الفجوة بين المسؤول العراقي وأطراف في القطاع الخاص، وهذا له تداعيات إيجابية على الاقتصاد.
وشدد على أن تنفيذ استراتيجية القطاع الخاص وتطويره بات من الضروريات في العراق، مع الإقرار بأن ذلك القطاع لا يقود الاقتصاد حالياً وأن مبيعات النفط من تفعل ذلك لكن من المهم التوجه للاعتماد عليه في تنشيط الإيرادات غير النفطية على أمل أن يقود التنمية في البلاد في المستقبل.
ويعتقد أن الإجراءات الحكومية لا تزال تمثل تحدياً أمام القطاع الخاص، لكن مع الاهتمام الحكومي الحالي والمستمر يمكن أن نرى فعالية أكبر في تنفيذ الاستراتيجية وتنشيط دور المجلس بما يساهم مستقبلاً في تقدم الاقتصاد ويخفف الاعتماد على النفط وإيراداته.
من جانبه، قال مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسات العامة في العراق، ماهر الخليلي، لـ«إرم بزنس»، إن الدستور العراقي يؤكد على دور القطاع الخاص والاقتصاد الحر، وأهمية تعظيم الاستثمارات، لافتاً إلى أن هذا المجلس يقوم على ركيزة مهمة من المستثمرين المهمين بالبلاد ويعول عليه في دعم القطاع ودعم الاستثمارات وأن تتحول توصياته لقرارات وبالتالي ينتظر منه الكثير.
ويعتقد الخليلي، أن التحدي الأكبر أمام القطاع الخاص هو «الاعتماد على النفط» الذي أدى لتراجع قطاعات كالاتصالات والزراعة، وغياب لخططها الخمسية فضلاً عن ضعف القطاع المصرفي الذي يجرى حاليا هيكلته ودعمه حكومياً، وأعباء ورسوم أمام الشركات وروتين إداري وصعوبة في تعديل التشريعات في ظل مصالح سياسية متضاربة أحياناً، معولاً على استمرار دور الحكومة في تنشيط القطاع بما يعود مستقبلاً على الاقتصاد بفوائد كبيرة.
ووفقاً لبيانات حديثة، بلغت حصة إيرادات العراق النفطية خلال النصف الأول من 2025 نحو 92% من إجمالي إيرادات البلاد، البالغ نحو 62 تريليون دينار (47.33 مليار دولار)، بما يتجاوز نحو 57 تريليون دينار (43.51 مليار دولار)، فيما استحوذت الإيرادات غير النفطية في العراق على حصة 8% فقط من إجمالي إيرادات الموازنة العامة للبلاد، إذ بلغت نحو 4.59 تريليون دينار (3.5 مليار دولار).
وأعلنت وزارة التخطيط العراقية، مؤخراً، أن إجمالي الإيرادات المتوقع تحقيقها، خلال خطة التنمية الخمسية 2024-2028، سيبلغ نحو 710 تريليونات دينار (543 مليار دولار).
وقدّرت الوزارة الإيرادات غير النفطية بنحو 79 تريليون دينار (60.31 مليار دولار)، بحصّة تزيد على 11% من إجمالي إيرادات البلاد المتوقعة خلال 5 سنوات.