
تشهد خريطة الاقتصاد العالمي تحولاً متسارعاً مع صعود آسيا كمحرك رئيسي للنمو وتراجع الهيمنة المطلقة للغرب، في مشهد يعكس نهاية مرحلة أحادية القطبية وبداية نظام اقتصادي أكثر تنوعاً في مراكز القوة.
هذا التحول لم يأتِ فجأة، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من إعادة توزيع الإنتاج، وتوسّع الأسواق الآسيوية، وتصاعد الطلب الداخلي في الاقتصادات الصاعدة من الصين والهند إلى إندونيسيا والفلبين.
وتؤكد الاتجاهات الحديثة أن اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ تواصل إظهار قدر كبير من المرونة أمام التحديات الدولية، وهو ما تشير إليه أيضاً تقديرات «صندوق النقد الدولي» (IMF) التي تتوقع نمو المنطقة بنسبة 4.5% عام 2025 مع تباطؤ طفيف إلى 4.1% عام 2026، وهي نسب تفوق بوضوح أداء الاقتصادات الغربية التي ما زالت تكافح آثار التضخم وضعف الإنتاجية.
يعكس هذا التفاوت في قوة الدفع الاقتصادية انتقال مركز النشاط العالمي باتجاه الشرق، حيث تتشكل ملامح النظام الاقتصادي الجديد.
على مدى عقود، قادت الولايات المتحدة النظام الاقتصادي العالمي من موقع المركز. فقد دفعت، منذ تسعينيات القرن الماضي، باتجاه إنشاء منطقة تجارة حرة شاملة في إطار «منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ» (APEC)، بما يسمح لشركاتها بالهيمنة على الأسواق الآسيوية.
غير أن «أهداف بوجور» (Bogor Goals)، هي رؤية استراتيجية تبناها المنتدى خلال «قمة بوجور» في إندونيسيا عام 1994 بهدف تحقيق منطقة تجارة حرة ومفتوحة، تعثرت لاحقاً نتيجة صعود القدرات الصناعية الآسيوية وتنامي المخاوف الأميركية من المنافسة، خصوصاً من الصين وكوريا الجنوبية.
ومع أن الولايات المتحدة حاولت استعادة زمام المبادرة عبر «اتفاقية الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية عبر المحيط الهادئ» (TPP) عام 2005، إلا أن الأزمة المالية العالمية عام 2008 قوّضت الثقة في اقتصادات الأطلسي الشمالي وأطلقت موجة تحوّل في دول الجنوب العالمي لبناء بدائل تجارية واستثمارية أكثر استقلالاً عن واشنطن.
وبحلول عام 2007، أصبحت الصين ثالث أكبر اقتصاد في العالم، ثم تجاوزت اليابان في عام 2010 لتصبح الثانية عالمياً. واليوم تُعد بكين الشريك التجاري الأكبر لـ 13 من أصل 21 دولة عضو في المنتدى، بينما تراجع الدور الأميركي تدريجياً.
وعقب انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية الشراكة في 2017، واصل الأعضاء الآخرون المفاوضات وشكّلوا «الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ» (CPTPP)، في خطوة اعتبرها المراقبون بداية استقلال آسيا الاقتصادي عن الهيمنة الأميركية.
هذا التحول يعكس واقعاً جديداً: فبينما تحاول واشنطن الحفاظ على نفوذها من خلال أدوات جيوسياسية وعسكرية، تتجه القوى الآسيوية لبناء نظام تجاري متكامل يقوم على التعاون الإقليمي والاعتماد المتبادل، بعيداً عن المراكز الغربية التقليدية.
تستند نهضة آسيا الاقتصادية إلى مجموعة من العوامل المتشابكة التي أعادت رسم خريطة النمو العالمي. فقد أسهم النمو الداخلي المتسارع في دول المنطقة، مدفوعاً بارتفاع الطلب المحلي وانتعاش قطاعات الخدمات، في تقليص اعتماد الاقتصادات الآسيوية على الأسواق الغربية.
كما عزز التكامل الإقليمي وتطور سلاسل القيمة الإنتاجية موقع آسيا كمركز رئيسي لإنتاج المكوّنات والخدمات المتقدمة، وليس فقط للسلع النهائية، ما منحها قدرًا متزايداً من الاستقلال الصناعي.
وفي المقابل، يواجه الغرب تباطؤاً اقتصادياً واضحاً، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن معدل النمو العالمي في عام 2025 لن يتجاوز 2.8 في المئة، بينما تواصل اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ تسجيل معدلات تفوق الضعف، لتسهم بما يقارب 60% من مجمل النمو العالمي خلال عامي 2025 و2026.
يُعدّ هذا الصعود الآسيوي بوابة لفرص اقتصادية واستثمارية ضخمة، غير أنه يواجه في الوقت ذاته تحديات متنامية تتعلق بتصاعد النزعات الحمائية التي تهدد مبدأ التجارة الحرة، وبالضغوط الديموغرافية الناتجة عن الشيخوخة وضعف الإنتاجية في بعض الاقتصادات الكبرى، إضافة إلى الحاجة المستمرة لإجراء إصلاحات هيكلية تعزز كفاءة البنية التحتية والقطاع المالي.
ورغم هذه العقبات، تواصل آسيا توسيع نفوذها الاقتصادي من خلال تكتلات إقليمية جديدة، أبرزها «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» (RCEP) التي تضم خمس عشرة دولة من منطقة آسيا والمحيط الهادئ وتشكل نحو 28% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يجعلها أكبر كتلة تجارية في العالم وأحد أعمدة النظام الاقتصادي الجديد.
في ظل التحول المتسارع لمركز الثقل الاقتصادي العالمي نحو آسيا، تبرز أمام الدول العربية فرص استراتيجية واعدة للاندماج في النظام الاقتصادي الدولي الجديد، إذ تشهد العلاقات بين الشرق الأوسط وآسيا توسعاً متزايداً في مجالات الطاقة والتجارة والتكنولوجيا، مدفوعة بتقارب المصالح الاقتصادية وتكامل الموارد بين الجانبين.
وتتجلّى أبرز فرص التعاون بين العالم العربي وآسيا في توسيع مجالات التجارة والربط اللوجستي عبر تطوير الموانئ والمناطق الحرة لتكون جزءاً من الممرات التجارية الكبرى التي تصل آسيا بإفريقيا وأوروبا، بما يعزز موقع المنطقة العربية كمحور أساسي في حركة التجارة العالمية.
كما تشمل هذه الفرص جذب الاستثمارات الآسيوية في قطاعات الاقتصاد الأخضر والتصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي، بما يسهم في نقل التكنولوجيا وبناء قدرات إنتاجية أكثر تنوعاً.
وفي السياق نفسه، يبرز التنويع الاقتصادي كخيار استراتيجي، إذ يمكن للدول العربية الاستفادة من الطلب المتنامي في الأسواق الآسيوية لتوسيع قاعدة صادراتها غير النفطية وتخفيف اعتمادها على العائدات التقليدية من الطاقة.