
تكشف موازنة قطر 2026 عن اختبار حقيقي لمرونة الاقتصاد في لحظة مفصلية من مسار التحول الاستراتيجي، فرغم تسجليها عجزاً متوقعاً، إلا أنها وضعت التنويع الاقتصادي والتنمية المستدامة في صدارة أولوياتها، ضمن رؤية طويلة الأمد تعيد رسم ملامح اقتصاد ما بعد النفط.
وفي 9 ديسمبر الجاري، أعلن وزير المالية القطري علي بن أحمد الكواري، عن موازنة العام 2026، بعجز قيمته 21.8 مليار ريال قطري (نحو 6 مليارات دولار)، مشيراً إلى أنه سيتم تمويله من خلال أدوات الداخلي الداخلي والخارجي، وفق آلية تمويل مدروسة.
ويرتكز بناء هذه الموازنة الجديدة على فرضية مالية متحفظة، إذ تفترض الحكومة سعراً مرجعياً للنفط عند 55 دولاراً للبرميل، ونمواً متواضعاً في الإيرادات بنسبة 1% فقط لتصل إلى 199 مليار ريال.
وفي المقابل، فإن إجمالي النفقات المخططة تشهد ارتفاعاً بنسبة 5% لتصل إلى 220.8 مليار ريال، وتنتج هذه الفجوة المقدرة بين الإيرادات والنفقات، والبالغة 21.8 مليار ريال، عن قرار استراتيجي بزيادة الإنفاق الرأسمالي رغم ظروف الإيرادات الأقل ملاءمة، وهو ما يعكس أولوية الاستثمار في التنمية طويلة المدى على تحقيق التوازن المالي.
ويرى الخبير الاقتصادي هاشم السيد، في حديث مع «إرم بزنس»، أن افتراض سعر 55 دولاراً للبرميل يرسل رسالة قوية للسوق عن النضج المالي، معتبراً هذا التحوط يسمح بالاستمرار في الإنفاق الاستراتيجي حتى في أسوأ السيناريوهات، مع الحفاظ على مصداقية الموازنة.
وتتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية، أن يبلغ متوسط السعر الفوري لخام برنت 55 دولاراً للبرميل خلال العام المقبل، وسط زيادة الإنتاج العالمي ما قد يترتب عليه من مزيد من الضغوط الهبوطية على الأسعار.
ويعتقد الخبير الاقتصادي أن موازنة 2026 تؤكد انتقال الدولة من مرحلة إدارة ثروة الموارد الطبيعية إلى مرحلة هندسة مستقبل اقتصادي متنوع ومستدام، وأن العجز المتوقع هو ثمن مدروس لاستثمار استراتيجي في البنية التحتية ورأس المال البشري، وتمويله مُضمَّن من خلال احتياطيات مالية هائلة ووصول سهل لأسواق الدين العالمية.
ويؤكد أن العجز ليس مؤشراً على أزمة مالية، بل هو استثمار استباقي في التنويع، فالدول التي تنتظر حتى تنضب إيرادات النفط لتبدأ بالتحول غالباً ما تفشل، وهذه الموازنة تمثل نقلة نوعية تجمع بين التزام الدولة الثابت بتمويل المشاريع التنموية الضخمة، وبين تبني سياسة مالية حذرة تستشرف تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
وتتضح أولويات الميزانية من خلال التوزيع الدقيق للمصروفات، فبينما تذهب 69.5 مليار ريال 31.5% من الإجمالي لبنود الرواتب والأجور، وتُخصص 81.5 مليار ريال 37% للنفقات الجارية الأخرى، فإن البند الأكثر دلالة هو تخصيص 62.8 مليار ريال 28.4% للمشاريع الرأسمالية الكبرى.
ويأتي هذا التركيز على الإنفاق الاستثماري مدفوعاً بالحاجة إلى تطوير البنية التحتية المتقدمة التي تُعد أساساً لاقتصاد متنوع ومستدام، وفق الخبير الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، يحظى القطاعان الصحي والتعليمي بحصة استثنائية تبلغ 47.2 مليار ريال نحو 21% من إجمالي النفقات، موزعة على قطاع الصحة بـ 25.4 مليار ريال والتعليم بـ21.8 مليار ريال.
ومن جانبه، يري الخبير الاقتصادي عبدالله الخاطر، في حديثه مع «إرم بزنس»، أن تركيز قطر على دعم رأس المال البشري هو الضمان الحقيقي للتنويع الذي يمثل الركيزة الأساسية لأي تحول نحو اقتصاد المعرفة، فالاستثمار في الصحة والتعليم اليوم هو ما سيخلق طبقة من رواد الأعمال والمهندسين والباحثين الذين سيديرون اقتصاد ما بعد النفط.
ويكشف تحليل مصادر الإيرادات عن التحدي الجوهري الذي تواجهه سياسة التنويع، إذ لا تزال إيرادات النفط والغاز تهيمن على الهيكل المالي، حيث يُتوقع أن تساهم بما يصل إلى 78% أي 155 مليار ريال من الإجمالي، بينما لا تشكل الإيرادات غير النفطية سوى 22% من 44 مليار ريال.
ومع ذلك، فإن الصورة الكلية للاقتصاد تقدم منظوراً أكثر تفاؤلاً، إذ تشير بيانات هيئة التخطيط والإحصاء القطرية إلى أن القطاع غير الهيدروكربوني قد ساهم بنسبة 63.6% في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال الربع الأول من 2025، مسجلاً نمواً في الزراعة بلغ 15.8%.
وتأتي خطة المشتريات الحكومية لعام 2026 كآلية رئيسية لتحفيز الاقتصاد، حيث تخطط الحكومة لطرح أكثر من 4,464 مناقصة بقيمة إجمالية تتجاوز 70 مليار ريال.
وتتركز هذه المناقصات في قطاعات حيوية مثل البنية التحتية بنحو 49 مليار ريال عبر والطاقة بنحو 7.2 مليار ريال عبر، مما يخلق فرصاً استثمارية هائلة للقطاع الخاص.
وتتماشي هذه الخطوة مع توجه استراتيجي أوسع لتوسيع نطاق الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وإعادة تقييم مشاريع البنية التحتية لتفويض تنفيذها للقطاع الخاص.
وفيما يتعلق بضمانات تمويل عجز الموازنة، يرى الخاطر أن تمويل هذا العجز المدروس سوف يتم في ظل مرونة مالية استثنائية توفرها الاحتياطيات الأجنبية الهائلة وصندوق الثروة السيادي الذي تتجاوز قيمته 450 مليار دولار.
وارتفعت الاحتياطيات الدولية والسيولة بالعملات الأجنبية لدى مصرف قطر المركزي في شهر نوفمبر الماضي بنسبة 2.65% على أساس سنوي، لتصل إلى 261.502 مليار ريال، مقارنة مع الفترة ذاتها من العام الماضي التي بلغت فيها 254.743 مليار ريال.
ويشير الخاطر إلى أن هذه الاحتياطيات الاستراتيجية تمنح الدولة هامش أمان مالي واسعاً لإدارة التقلبات وتمويل العجز دون مخاطر، وهذا ما يُفسر استمرار حصول قطر على تصنيف ائتماني مرتفع من وكالات التصنيف العالمية، والذي يرتكز بشكل أساسي على قوة الميزانية العمومية السيادية ونهج الانضباط المالي طويل الأمد.
ولا يمكن فهم موازنة 2026 بمعزل عن الإطار الاستراتيجي الأوسع، المتمثل في الاستراتيجية الوطنية الثالثة للتنمية (2024-2030) بحسب وزير المالية، والتي خُصص لها ما يقارب 32.7 مليار ريال لتنفيذ أهدافها المتعلقة بالنمو الاقتصادي المستدام ورفع مستوى المعيشة وتحقيق الاستدامة المالية والبيئية.
ويؤكد الخاطر أن موازنة قطر 2026 هي وثيقة تُعلن انتقال الدولة إلى مرحلة هندسة مستقبل اقتصادي متنوع، خاصة في الوقت الذي تشكل فيه التقلبات في أسواق الطاقة تحديات حقيقية، فإن النهج المالي الحذر، المدعوم بالاستثمار الجريء في مشاريع التنويع، يضع قطر على مسار تحولي يُعيد تعريف مصادر نموها ومرونتها الاقتصادية للأعوام القادمة.