
تبحث قطر عن مساحات جديدة للاستثمار في الولايات المتحدة، لكن اللافت هذه المرة أن الوجهة ليست سوقاً عقارية تقليدية أو مشروع طاقة مباشر، بل ولاية أميركية تمتلك ثقلاً في التكنولوجيا الحيوية والرعاية الصحية والبحث العلمي والخدمات اللوجستية.
ووفقاً لوكالة الأنباء القطرية «قنا»، بحثت رابطة رجال الأعمال القطريين، في 4 أكتوبر 2026، مع هاري كوكر جونيور، وزير التجارة في ولاية ماريلاند الأميركية، فرص الاستثمار وآفاق الشراكة بين القطاع الخاص في قطر والولاية، مع التركيز على قطاعات التكنولوجيا، والرعاية الصحية، والطاقة، والخدمات اللوجستية، وغيرها من القطاعات ذات الاهتمام المشترك.
ورغم أن الاجتماع يأتي ضمن مسار التعاون الاقتصادي بين قطر والولايات المتحدة، فإنه يفتح سؤالاً أوسع: هل بدأ رأس المال القطري الخاص بإعادة ترتيب وجهاته الخارجية، بحثاً عن أصول أكثر أماناً وقطاعات أعلى قيمة مضافة، بعيداً عن التركيز التقليدي على العقار والطاقة؟
تتمتع ولاية ماريلاند بموقع استراتيجي في منطقة وسط الساحل الشرقي للولايات المتحدة، بالقرب من العاصمة واشنطن، إلى جانب بنية تحتية للنقل والخدمات اللوجستية تشمل ميناء بالتيمور وشبكة من المطارات والطرق، ما يمنح الشركات والمستثمرين إمكانية الوصول إلى أسواق رئيسية على الساحل الشرقي الأميركي.
لكن أهمية الولاية لا تقف عند الجغرافيا. فقد أشار وزير التجارة في ماريلاند، وفقاً لـ«قنا»، إلى أن الولاية تتميز بحضور كبير للمؤسسات البحثية والجامعات والكفاءات المتخصصة في مجالات العلوم والتكنولوجيا، ما أسهم في بناء منظومة تربط بين البحث العلمي والابتكار والاستثمار التجاري.
وقال يوسف أبوحليقة، محلل الأسواق المالية والاقتصادية، لـ«إرم بزنس»، إن أهمية توسيع مجالات التعاون بين القطاع الخاص في قطر وماريلاند تكمن في القطاعات ذات القيمة المضافة، لا سيما التكنولوجيا والرعاية الصحية والطاقة والخدمات اللوجستية.
ويرى أبوحليقة أن ماريلاند تمنح المستثمر القطري فرصة مختلفة، لأنها تجمع بين الموقع، والبنية اللوجستية، والمؤسسات البحثية، والقطاعات المتقدمة، بما يسمح ببناء شراكات لا تقتصر على الاستثمار المالي، بل تمتد إلى المعرفة والتقنية والتصنيع.
تبدو التكنولوجيا الحيوية والرعاية الصحية من أبرز المجالات المرشحة للتعاون بين قطر وماريلاند. فالولاية تضم تجمعاً مهماً للشركات والمؤسسات البحثية العاملة في التكنولوجيا الحيوية، والأدوية، والأجهزة الطبية، والصحة الرقمية، والتصنيع الحيوي، إلى جانب قربها من مؤسسات فيدرالية بحثية وتنظيمية أميركية كبرى.
وبحسب أبوحليقة، لا يُعد الدخول في التكنولوجيا الحيوية والرعاية الصحية رهاناً جديداً تماماً بالنسبة لرجال الأعمال القطريين، إذ يمتلكون خبرة استثمارية متنامية محلياً ودولياً في هذه القطاعات. لكنه يرى أن التوجه نحو ماريلاند يمثل خطوة أكثر تقدماً، لأنه قد ينقل الاستثمار من الطابع المالي التقليدي إلى شراكات تكنولوجية وتصنيعية أعمق.
ويمتلك المستثمر القطري الخاص، وفق أبوحليقة، الأدوات والمؤسسات الأساسية التي تمكّنه من الاستثمار المباشر في الشركات الناشئة الأميركية، لكنه ما زال يفضّل تاريخياً وعملياً الدخول عبر الصناديق الاستثمارية، مثل صناديق رأس المال الجريء أو الصناديق المشتركة.
هذا النمط يقلل المخاطر ويمنح المستثمرين قدرة أكبر على تنويع المحافظ، لكنه يطرح في المقابل سؤالاً حول المرحلة التالية: هل ينتقل القطاع الخاص القطري من الاستثمار عبر الصناديق إلى الشراكة المباشرة مع شركات ومراكز بحث وجامعات أميركية؟
لا ينفصل البحث عن فرص استثمارية جديدة في الولايات المتحدة عن البيئة الجيوسياسية في المنطقة. ويقول أبوحليقة إن الحرب واضطرابات مضيق هرمز أثرت بشكل مباشر وعميق في قرار المستثمر القطري الخاص، ودفعته إلى تنويع محفظته الاستثمارية والبحث عن أصول آمنة وبعيدة عن مناطق التوتر الإقليمي، مع إعادة ترتيب أولوياته محلياً.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو ماريلاند مجرد وجهة أميركية جديدة، بل اختباراً لاتجاه أوسع لدى رأس المال الخليجي عموماً والقطري خصوصاً، يقوم على توزيع المخاطر جغرافياً، والاقتراب من قطاعات يصعب الاستغناء عنها حتى في أوقات التباطؤ، مثل الصحة، والتعليم، والبحث والتطوير، والتكنولوجيا الزراعية، والروبوتات، والخدمات المالية.
وإذا تحولت المباحثات إلى وفود أعمال وصفقات أو صناديق مشتركة، فقد تصبح ماريلاند منصة لاستثمار قطري أكثر ارتباطاً باقتصاد المعرفة، لا يكتفي بالعائد المالي، بل يراهن على نقل الخبرة، وبناء شراكات طويلة الأجل، وربط القطاع الخاص القطري بسلاسل الابتكار الأميركية.