طاهر شهاب: الدول الكاريبية تقبل عملات البيتكوين ويتم السداد من خلالها.
بلومبيرغ: يتوقع أن يقفز سوق الهجرة إلى 100مليار دولار بحلول عام 2025

لم يعد الحصول على جواز سفر ثانٍ رمزاً للثراء فحسب، بل تحول، في العقد الأخير، إلى أداة مالية أساسية للأفراد والعائلات، وأصبح جزءاً من التخطيط المالي والمستقبلي المتقدم.
قصة «أنس الجابري»، مهندس الاتصالات الأربعيني الذي يدير شركة ناشئة في العراق، تجسد هذا التحول. لم يكن علي يمتلك يختاً أو قصراً، بل كان يملك حلماً بحرية الحركة وقلقاً متزايداً على مستقبل ابنتيه. اليوم، وبعد تخطيط دقيق وبيع أصل عائلي، يحمل جواز سانت كيتس ونيفيس. ويقول علي لـ«إرم بزنس»: «لم أشترِ مجرد وثيقة سفر، بل اشتريت راحة البال، واشتريت خياراً».
هذه القصة ليست استثناءً، بل هي جزء من تحول في سوق «الهجرة الاستثمارية». فبعد أن كانت برامج الجنسية عبر الاستثمار (CBI) حكراً على نخبة الأثرياء، بدأت أبوابها تُفتح لشريحة جديدة من مهنيين ورواد أعمال من الطبقة المتوسطة العليا.
وقٌدّر حجم السوق بنحو 21.4 مليار دولار في العام 2022، ويتوقع أن يقفز إلى 100 مليار دولار بحلول 2025 وفقاً لتقديرات «بلومبيرغ». هذا النمو السريع هو الدافع وراء بحثنا وتحليلنا لأسباب الإقبال عليه والتحولات الديموغرافية لسوق «المواطنة عبر الاستثمار».
خلافاً للصورة النمطية، فإن سوق المواطنة يشهد تغيراً ديموغرافياً لافتاً، مدفوعاً بظهور برامج أكثر مرونة وتكلفة معقولة.
أظهرت أراء خبيرين تحدثت إليهما «إرم بزنس» أن قاعدة المتقدمين توسعت، بشكل ملحوظ، لتشمل فئات لم تكن ضمن هذا السوق في الماضي.
أكد هاني السعدي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ريسبكت لتخليص المعاملات»، وهي شركة متخصصة في خدمات الإقامة والجنسية عبر الاستثمار، أن «قاعدة المتقدمين توسعت لتشمل فئات أكثر من حيث الدخل والمستوى المعيشي. لم يعد الموضوع مقتصراً فقط على أصحاب الثروات الكبيرة، بل هناك رجال أعمال، ومتوسطو الدخل، وموظفون كبار، وحتى عائلات تبحث عن استقرار ومستقبل أفضل لأولادها».
وفي ذات السياق، أوضح طاهر شهاب، شريك وعضو في مجلس إدارة «غلوبال سيتيزن كونسلتنتس»، أنه بينما كان المتقدمون في البداية من ذوي الدخل المرتفع، فإن «ذوي الدخل المتوسط، الآن، بحاجة للحصول على الجنسية».
هذا الإجماع يؤكد أن الجنسية الثانية لم تعد كمالياً ترفيهياً، بل تحولت إلى استثمار إستراتيجي وعائلي، تدفع إليه الحاجة للاستقرار والتخطيط المستقبلي في ظل أفق اقتصادي وسياسي ضبابي عالمياً. وبفضل زيادة الوعي، أصبحت العائلات تخطط لسنوات طويلة لتمويل هذه الخطوة.
في ظل التكاليف التي لا تزال مرتفعة نسبياً للبرامج الكاريبية التي تبدأ من حوالي 100,000 دولار، كيف يمكن لذوي الدخل المتوسط تمويل هذه الخطوة؟
يجيب السعدي بأن التمويل، غالباً، ما يعتمد على «مدخرات طويلة الأمد أو بيع أصول صغيرة» و«دعم عائلي من الأقارب»، مضيفاً « أن بعض البرامج تقبل تمويل الطلب عن طريق قرض » وأن الدفعات، غالباً، ما تكون «مقسمة على مراحل مرتبطة بخطوات المعاملة».
من جانبه، أشار شهاب إلى أن ذوي الدخل المتوسط يلجأون، حالياً، «لاستخدام القروض البنكية لاستخراج الجنسية». كما سلّط الضوء على إمكانية السداد عبر «العملات المشفرة»، حيث أكد أن الدول الكاريبية تقبل «عملات البيتكوين»، وأن «شريحة كبيرة استطاعت من خلالها دفع مستحقات جواز السفر الثاني».
هذا التنوع في خيارات التمويل يؤكد أن الشركات والاستشاريين أدركوا التحول الديموغرافي، وباتوا يعملون على تسهيل السيولة لتمكين شريحة أوسع من المستثمرين. كما أن قبول العملات الرقمية يعكس حداثة السوق، مستهدفاً شريحة «أصحاب المحافظ الرقمية» والمستثمرين الشباب. مما يؤكد أن الدافع الرئيس هو تأمين بديل طارئ في وجه القيود والتقلبات العالمية.
أكد الخبيران أن الموضوع لم يعد رفاهية، فـ«هو مرتبط، اليوم، بحرية السفر، والأمان العائلي، والتعليم، وخيارات العمل والاستثمار. لذلك الناس، من مختلف الفئات، صاروا يرونه خطة إستراتيجية لمستقبلهم»، بحسب ما قاله السعدي.
وبالنظر إلى المكاسب غير الملموسة، أكد السعدي أن العملاء يفاجأون بـ«شعور بالحرية والطمأنينة عند السفر والتنقل» و «راحة نفسية للأسرة»، إضافة إلى «بناء ثقة أكبر في مستقبل أولادهم».
وفيما يخص المكاسب الملموسة، أشار شهاب إلى أهمية المزايا الضريبية، موضحاً أن هذه الجنسيات «تعفيهم من الضرائب، ويوفر ذلك بالمقابل للاستثمارات الأخرى كفتح حسابات أو اصدار رخص تجارية، أو الاستثمار في العقارات، وغيرها من الفرص الاستثمارية».
هذا التباين في المكاسب يسلط الضوء على عمق استثمار الجنسية الثانية. فبينما يركز السعدي على المكاسب النفسية والاجتماعية، يركز شهاب على الميزة المالية المباشرة (الضرائب). وهذا يؤكد أن الجواز الثاني يخدم غايتين رئيستين، الأمان العاطفي للأسر، والحماية المالية للأصول والمستثمرين.
في اليوم التالي من الحصول على الجواز، تبدأ قصة أخرى، قصة الواقع العملي والاستفادة الفعلية. يقول «أحمد»، المستثمر السوري المقيم في الخليج، بعد حصوله على جنسية مالطا، «لأول مرة منذ سنوات، شعرت أن العالم مفتوح أمامي... القدرة على حجز تذكرة طيران والسفر في اليوم التالي هو شعور بالتمكين لا يمكن وصفه». لكن هذا التمكين لا يخلو من تحديات.
المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ريسبكت لتخليص المعاملات» أشار إلى تحديات الاندماج، التي تتضمن «تتبع الأخبار وتأثير السياسة على حركة التنقل العالمي والتغيير السريع في القوانين العالمية وقوانين البرنامج». بينما أكد طاهر شهاب، شريك وعضو في مجلس إدارة «غلوبال سيتيزن كونسلتنتس»، أن صعوبة الاندماج «جداً قليلة»، خاصة أن أغلب الدول المانحة هي جزر بريطانية سابقة وتتمتع بمجتمع متعدد الجنسيات.
ويؤكد ذلك حرص الشركات على تقديم خدمات «ما بعد الجنسية»، لأن الحصول على الجواز هو مفتاح البداية لإجراءات إدارية ومالية جديدة. ورغم أن العميل ليس بالضرورة أن يعيش في البلد الجديد، فإن التحديات الحقيقية تكمن في تنظيم الوضع الضريبي العالمي، والتعامل مع التغيرات السريعة في اللوائح، وهي تكلفة إضافية يجب على المتقدمين حسابها مسبقاً.