
لم يعد نجاح التنويع الاقتصادي في الإمارات يقاس فقط بارتفاع مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي، بل بقدرة هذا النمو على الوصول إلى الشركات والقطاع الخاص.
خلال أسبوع واحد فقط، بدت هذه الصورة أكثر وضوحاً مع إعلان 23 شركة مدرجة في سوقي أبوظبي ودبي نتائجها للنصف الأول من العام، لتقدم قراءة عملية لمدى انتقال النمو من المؤشرات الاقتصادية إلى الأرباح والاستثمارات.
ففي الوقت الذي نما فيه الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للإمارات بنسبة 3% خلال الربع الأول من عام 2026 ليصل إلى 485 مليار درهم بالأسعار الثابتة، ارتفعت مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى 79.4% من الاقتصاد الوطني، وهي أعلى نسبة تعكس اتساع قاعدة النمو بعيداً عن النفط.
لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في ارتفاعها فحسب، بل في أن القطاعات التي قادت هذا النمو كانت نفسها الأكثر حضوراً في موسم نتائج الشركات، ما يشير إلى أن استراتيجية التنويع الاقتصادي لم تعد تظهر في البيانات الحكومية فقط، بل بدأت تنعكس بوضوح على أداء القطاع الخاص.
تكشف بيانات المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء أن الأنشطة المالية والتأمين تصدرت النمو خلال الربع الأول بنسبة 17.3%، تلتها التشييد بـ8.1%، ثم الصحة بـ7.7%، والمعلومات والاتصالات بـ5.9%، والعقار بـ4.8%، وتجارة الجملة والتجزئة بـ2.6%.
ولم تتصدر هذه القطاعات معدلات النمو فقط، بل كانت أيضاً الأكثر إسهاماً في توسع الاقتصاد غير النفطي، إذ ساهمت الأنشطة المالية والتأمين بـ2.44 نقطة مئوية من إجمالي النمو، تلاها التشييد بـ1.04 نقطة، ثم تجارة الجملة والتجزئة بـ0.42 نقطة، والعقار بـ0.36 نقطة، ما يعني أن أكثر من نصف النمو غير النفطي جاء من قطاعين رئيسين، في دلالة على انتقال الاقتصاد إلى مرحلة تقودها الأنشطة ذات القيمة المضافة العالية.
يرى مستشار الاقتصاد وريادة الأعمال الدكتور عبداللطيف العزعزي أن وصول مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى 79.4% لا يمثل مجرد نسبة إحصائية، بل يعكس تحولاً هيكلياً في الاقتصاد الإماراتي، جاء نتيجة منظومة متكاملة من السياسات التنموية التي رسخت التنويع الاقتصادي خلال السنوات الماضية.
يقول العزعزي، في تصريحات لـ«إرم بزنس»، إن الإمارات تجاوزت مرحلة الاعتماد على النفط إلى اقتصاد قائم على المعرفة والإنتاج والابتكار، بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية الإمارات 2031»، موضحاً أن هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ثمرة خطط استراتيجية ومبادرات حكومية وفرت خيارات أوسع للنمو، وأسهمت في بناء بيئة اقتصادية تمنح القطاع الخاص دوراً أكبر في قيادة التنمية.
ويضيف أن القيمة الحقيقية لهذا التحول تظهر في اتساع القطاعات المنتجة، وتعزيز ثقة المستثمرين، وخلق فرص جديدة أمام القطاع الخاص، بما يحول النمو الاقتصادي إلى قيمة مضافة مستدامة.
لا يقتصر هذا التحول على الناتج المحلي، إذ سجلت التجارة الخارجية غير النفطية للإمارات خلال النصف الأول من عام 2026 رقماً قياسياً بلغ 1.937 تريليون درهم، بنمو 13.1% على أساس سنوي، فيما ارتفعت الصادرات غير النفطية إلى 452.8 مليار درهم، بزيادة 23.9%.
يؤكد العزعزي أن هذه الأرقام تعكس انتقال الاقتصاد الإماراتي إلى نموذج أكثر اعتماداً على الإنتاج والتصدير، بعدما أصبحت الصادرات غير النفطية تشكل ركيزة أساسية للنمو، وهو ما يعزز تنافسية الشركات المحلية ويدعم قدرتها على التوسع في الأسواق الخارجية.
لم يكن اللافت في موسم نتائج النصف الأول ارتفاع أرباح الشركات فقط، بل تطابق القطاعات الرابحة مع القطاعات التي قادت نمو الاقتصاد.
ففي القطاع المالي، حقق بنك أبوظبي الأول نمواً في الأرباح والإيرادات، بينما سجلت البنوك المدرجة مجتمعة أرباحاً صافية بلغت 39.31 مليار درهم. وفي العقار، واصلت «الدار العقارية» تحقيق نمو قوي في الأرباح والإيرادات، فيما عكست نتائج «إي آند» استمرار زخم قطاع الاتصالات، وجاءت أرباح سوق دبي المالي لتؤكد تنامي النشاط الاستثماري في الأسواق المحلية.
يشير العزعزي إلى أن أرباح الشركات أصبحت انعكاساً مباشراً للزخم الاقتصادي، موضحاً أن الأنشطة المالية والتأمين، والتشييد، والعقار، والاتصالات، والصحة، هي نفسها التي تقود النمو الاقتصادي اليوم، وهو ما يعكس اتساع قاعدة النمو وعدم اعتماده على قطاع واحد.
يرى المحلل الاقتصادي محمد القمزي أن نتائج الشركات تعكس نجاح الإمارات في تحويل عوائد النفط إلى استثمارات منتجة عبر توجيهها إلى البنية التحتية والصناديق السيادية، إلى جانب تنمية قطاعات الصناعة والسياحة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، وهو ما أسهم في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.
ويقول القمزي لـ«إرم بزنس» إن تفوق نتائج الشركات الإماراتية على نظيراتها الخليجية يعكس نجاح السياسات الاقتصادية واتساع قاعدة النمو، ويوجه رسالة واضحة للمستثمرين بأن السوق الإماراتية تستند إلى اقتصاد مستقر ومتعدد المحركات، يتمتع ببيئة استثمارية تنافسية وتشريعات مرنة تدعم الاستثمارات طويلة الأجل.
ويتوقع أن يكون القطاع اللوجستي أكبر المستفيدين من النمو القياسي في التجارة الخارجية غير النفطية، لأن كل زيادة في حركة التجارة تنعكس على الطلب على الموانئ والمطارات والنقل والتخزين، مرجحاً أن يظهر أثر ذلك في نتائج الشركات اللوجستية خلال الأرباع المقبلة. كما يرى أن الذكاء الاصطناعي سيكون من أبرز المستفيدين، مع استمرار تبني الإمارات لهذه التقنيات لرفع الكفاءة والإنتاجية وجذب مزيد من الاستثمارات.