logo
اقتصاد

بعد عامين من الأزمات.. هل يعيد اتفاق غزة التوازن لاقتصادات المنطقة؟

خبراء: وقف الحرب خطوة نحو انتعاش اقتصادي مشروط بالاستقرار

الأسواق الإقليمية تترقب انفراجة بعد قمة شرم الشيخ للسلام

100 مليار دولار للإعمار ... واستقرار البحر الأحمر أولى ثمار السلام

بعد عامين من الأزمات.. هل يعيد اتفاق غزة التوازن لاقتصادات المنطقة؟
إعلان يحمل صورتي الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والمصري عبدالفتاح السيسي قبل قمة شرم الشيخ بعد تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، شرم الشيخ، مصر، يوم 13 أكتوبر 2025.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

بعد عامين من حرب أثقلت كاهل اقتصادات الشرق الأوسط، تلوح في الأفق بارقة أمل مع توقيع اتفاق سلام غزة في قمة شرم الشيخ بمصر، التي جمعت قادة الإقليم والعالم.

فبينما يتجه المشهد السياسي نحو التهدئة، تتطلع الأسواق إلى التقاط أنفاسها بعد فترة طويلة من التوترات التي عطلت التجارة وأضرت بالممرات الحيوية، وفي مقدمتها قناة السويس.

يرى خبراء تحدثوا لـ«إرم بزنس» أن الاتفاق قد يشكل نقطة تحول لاقتصادات المنطقة إذا ما توافرت له ضمانات الاستقرار، إذ يمكن أن يفتح الباب أمام تدفقات مالية جديدة، ويعيد الثقة إلى بيئة الأعمال التي عانت من حالة عدم اليقين.

بعد مفاوضات معقدة، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تصريحات يوم الاثنين، إن حرب غزة انتهت، وذلك قبيل حضوره قمة شرم الشيخ للسلام لتوقيع اتفاق بشأن غزة الذي وافقت عليه حماس في 3 أكتوبر الجاري، وسلّمت الرهائن الـ20 المحتجزين لديها لإسرائيل اليوم، وسط ترقّب لمفاوضات بشأن إعمار قطاع غزة واستقرار الملاحة في البحر الأحمر.

كان صندوق النقد الدولي قد أكد في تقرير له عام 2024 عمق تأثير التصعيد في غزة على النمو الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وسط تقديرات غير رسمية تشير إلى خسائر بمئات المليارات من الدولارات لاقتصادات المنطقة والاقتصاد العالمي خلال عامي الحرب.

بداية جديدة

يرى أستاذ الاقتصاد الدولي، نهاد إسماعيل، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن الاتفاق يمثل بداية جديدة لاقتصاد المنطقة لتجاوز عامين من الصراع والخسائر الكبيرة في قطاعات الطيران والسياحة والممرات التجارية.

نبّه إلى أن توقعات نمو اقتصادات المنطقة تشير إلى تحقيق أرقام إيجابية تقترب من 3% هذا العام و3.3% لعام 2026، مضيفاً: «لذلك فإن المشهد الاقتصادي سيتحسن بعد انتهاء توترات الحرب في غزة، ولكن لا بد من التحذير من أن المخاطر التي تهدد اقتصاد المنطقة والعالم لا تزال تلقي بظلالها على الأجواء».

تنحصر مخاطر الاقتصاد، بحسب إسماعيل، في أن «الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة لا تزال تهدد الاقتصاد العالمي وكذلك المنطقة، فضلاً عن استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، والتهديد الأميركي بفرض عقوبات على النفط الإيراني، وتهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز، وهي كلها عوامل ترفع وتيرة التوتر الجيوسياسي». 

أخبار ذات صلة

مسافرون بمطار الملكة علياء الدولي في عمان، الأردن، 21 مايو 2023.

من الإغاثة إلى التعافي.. كيف يستثمر الأردن فرص إعادة الإعمار بعد غزة؟

أضاف: على المستوى الإقليمي، هناك تساؤلات: هل ستلتزم إسرائيل وحماس ببنود الاتفاق؟ هل سنرى سلاماً واستقراراً طويل الأمد؟ هل ستتوقف الاضطرابات في البحر الأحمر التي كان لها تأثير كارثي على حركة الملاحة في قناة السويس، وأدت إلى تقلص الإيرادات بنسبة 45% حسب مصادر رسمية مصرية؟.

أكد أن «النمو الاقتصادي والاستثمار يحتاجان إلى استقرار جيوسياسي»، مضيفاً: «ربما انتهاء الحرب في غزة سيكون البداية، وإذا تحقق السلام الحقيقي سيرتفع النشاط الاستثماري ومشاريع الطاقة المتجددة والابتكارات وخلق الوظائف والتبادل التجاري».

التقاط الأنفاس

كذلك يرى الخبير المالي في معهد الإصلاح الاقتصادي ببغداد، علاء الفهد، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن اقتصاد المنطقة «سيلتقط الأنفاس وسيحقق انفراجة ومكاسب متوقعة ما بعد وقف إطلاق النار في قطاع غزة ومؤتمر شرم الشيخ للسلام، شريطة وجود استقرار أمني وسياسي في المنطقة وألا تندلع صراعات جديدة».

برأي الفهد، فإن «هذا الاستقرار سيعزز من المؤشرات الإيجابية للاقتصاد، وسنرى زخماً جديداً للاستثمارات في المنطقة»، مضيفاً: «أما لو بدأت صراعات أخرى بين إسرائيل وإيران مثلاً، فسيبقى الاقتصاد في دورة التراجع والمخاطر».

إعلان في شرم الشيخ يحمل صور الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والمصري عبدالفتاح السيسي في شرم الشيخ قبل قمة السلام وسط تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، 13 أكتوبر 2025.
إعلان في شرم الشيخ يحمل صور الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والمصري عبدالفتاح السيسي في شرم الشيخ قبل قمة السلام وسط تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، 13 أكتوبر 2025. المصدر: (أ ف ب)

نبّه إلى أن «التغيرات الجيوسياسية على مدار عامين جراء حرب غزة كان لها تأثير واضح على اقتصاد المنطقة، ومن ثم فإن توقفها وبدء الإعمار في قطاع غزة، إضافة إلى عودة الملاحة إلى طبيعتها، سيزيد من التأثيرات المباشرة على اقتصادات دول المنطقة ومصر بشكل خاص لتلافي خسائر قناة السويس»، مشيراً إلى أن الإعمار سيجعل المنطقة أكثر جاذبية للاستثمارات الواسعة، لكن كل ذلك مرهون بوقف المخاطر والصراعات.

عدم اليقين

فيما يرى عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، علي الإدريسي، أنه من مصلحة الجميع تجاوز حالة عدم اليقين التي يعيشها اقتصاد المنطقة والعالم منذ أزمة كورونا وصولاً إلى حرب غزة، مؤكداً أن وقف إطلاق النار في القطاع الفلسطيني يمثل بداية جيدة ومبشرة للاقتصادات التي اختلت موازينها بسبب الحرب، لكن نجاح تلك البداية يحتاج إلى شروط أهمها استمرار الاستقرار.

أخبار ذات صلة

العلم الدنماركي يرفرف في كوبنهاغن، الدنمارك، 10 سبتمبر 2025

صندوق التقاعد الدنماركي يلغي استثمارات في إسرائيل بسبب حرب غزة

الإدريسي أشار في حديث لـ«إرم بزنس»، إلى أن إعادة إعمار غزة قد تتجاوز، حسب التقديرات الدولية، 100 مليار دولار وصولاً إلى 150 مليار دولار، ومن المهم وضع خطط واضحة وتوفير الموارد المالية لإنجاز هذا الإعمار الذي سيضخ في اقتصاد المنطقة مزيداً من الاستثمارات الضخمة.

كما توقّع، في حال استمر وقف إطلاق النار، حدوث تحسّن في معدلات السياحة وجذب الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة، واستعادة قناة السويس إيراداتها وعودة الملاحة إلى نحو 60% من وضعها الطبيعي، مشدداً على أن اقتصادات مصر والأردن ولبنان والملاحة في البحر الأحمر تضررت كثيراً وبحاجة إلى استقرار أكبر، أما إسرائيل فقد تجد دعماً أكبر لاقتصادها بعد وقف الحرب.

عامان من الأزمة

بالفعل «أخلّت حرب غزة بموازين الاقتصادات» في المنطقة، كما يرى الكاتب اللبناني عبدالرحمن أياس في مقال بصحيفة «النهار» مطلع أكتوبر الجاري، مؤكداً أنه «منذ 7 أكتوبر 2023، لم تكن حرب غزة مجرد صراع عسكري، بل ضربة اقتصادية عميقة طالت أقوى الاقتصادات في المنطقة وأضعفها، وألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي».

ففي فلسطين، تفوق الأضرار كل التوقعات، حيث تراجع الاقتصاد الفلسطيني بنسبة 27% في عام 2024، إذ شهدت غزة وحدها انكماشاً بنسبة تقارب 83%. وفي الضفة الغربية، ساهمت القيود على الحركة وفقدان فرص العمل داخل إسرائيل في تراجع الناتج المحلي بنحو 17%. وتُقدَّر تكاليف الإعمار والتعافي في القطاع والضفة بأكثر من 53 مليار دولار، أي ما يزيد على ضعف الناتج السنوي المسجّل قبل الصراع، بحسب أياس.

التكلفة الباهظة للحرب.. صورة للدمار في خان يونس بقطاع غزة، تعود إلى يوم 9 أبريل 2024.
التكلفة الباهظة للحرب.. صورة للدمار في خان يونس بقطاع غزة، تعود إلى يوم 9 أبريل 2024. المصدر: (أ ف ب)

في منتصف عام 2025، انفجرت الأسعار في غزة، إذ ارتفعت تكاليف الغذاء بين 300 و450%، وتوقّف معظم القطاعات الإنتاجية عن العمل، ما يجعل التعافي بعيد المدى ويستغرق عقوداً من الزمن، وفقاً لأياس.

أما إسرائيل، وعلى الرغم من امتلاكها مؤسسات اقتصادية قوية، فلم تسلم من الصدمة، بحسب الكاتب اللبناني، مشيراً إلى أنه في عام 2024 خصصت الحكومة نحو 31 مليار دولار للإنفاق العسكري، ما رفع عجز الميزانية إلى نحو 7% من الناتج المحلي. كما أبقى المصرف المركزي معدل الفائدة عند 4.5% في ظل الضبابية الجيوسياسية، وسط تباطؤ النمو، وتراجع الاستثمارات، وارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي، وتعرّض التصنيفات الائتمانية إلى تخفيضات.

إحدى أكبر الهزات الاقتصادية أصابت مصر عبر قناة السويس، وكذلك لبنان، حيث تسببت الحرب على الحدود الجنوبية في خسائر مباشرة بلغت 8.5 مليار دولار، وانخفضت العمالة في القطاع الخاص بنسبة 25%، وأغلقت 15% من الشركات أبوابها نهائياً. وخسر القطاع الزراعي أكثر من مليار دولار، وتعطلت دراسة نحو نصف مليون طالب وطالبة، وفقاً لأياس، الذي أشار إلى أن الأردن تلقى ضربة قوية عبر قطاع السياحة، إذ انخفضت نسبة الإشغال في الفنادق الكبرى إلى أقل من 10% في بعض الفترات.

لم يقتصر الأثر على دول المنطقة فقط، حيث أصبح البحر الأحمر مسرحاً لهجمات متكررة على السفن التجارية، ما أجبر عشرات شركات الشحن العالمية على إعادة توجيه مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح. وتضيف هذه التحويلات بين 10 و15 يوماً إلى زمن الشحن، وترفع تكاليف النقل والتأمين بنسبة تتجاوز 300% في بعض الحالات، مع ضغوط إضافية على معدلات التضخم العالمية المستمرة منذ بدء الحرب، خصوصاً في أوروبا، إضافة إلى تعطل سلاسل إمداد السلع الأساسية مثل الطاقة والحبوب، وفقاً لأياس.

مشهد من مخيم النصيرات في غزة يعكس حجم الدمار الذي خلفه الصراع. الصورة تعود إلى يوم 29 نوفمبر 2024
مشهد من مخيم النصيرات في غزة يعكس حجم الدمار الذي خلفه الصراع. الصورة تعود إلى يوم 29 نوفمبر 2024 المصدر: رويترز

في أواخر سبتمبر، قال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إن «التحديات الإقليمية المحيطة أسفرت عن فقدان نحو 9 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس خلال العامين الماضيين»، في إشارة إلى هجمات الحوثيين على السفن في منطقة البحر الأحمر منذ عام 2023 دعماً للفلسطينيين في غزة خلال الحرب مع إسرائيل، ما أدى إلى تعطل حركة الشحن العالمية واضطرار السفن للابتعاد عن طريق قناة السويس والالتفاف حول جنوب إفريقيا.

وتُعد قناة السويس من أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تربط بين البحرين المتوسط والأحمر، وتصل بين أوروبا وآسيا والمحيط الهندي، وتستوعب نحو 12% من حجم التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات على مستوى العالم.

وفقاً لتحليلات صادرة عن شركتي «سيدبانك» و«إيه.بي.جي سوندال كوليير»، فإن العودة إلى قناة السويس ستؤدي إلى زيادة الطاقة المتاحة للشحن، ما يفرض مزيداً من الضغوط على أسعار الشحن التي تراجعت بالفعل من مستوياتها القياسية في وقت سابق من هذا العام، مع توقع المزيد من الانخفاض في الأسعار نتيجة ارتفاع احتمالية المرور الآمن عبر البحر الأحمر.

إعادة الإعمار

في أبريل 2024، قدّر مدير المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عبد الله الدردري، أن تكلفة إعادة إعمار غزة قد تبلغ ما بين 40 و50 مليار دولار.

أخبار ذات صلة

التكلفة الباهظة للحرب.. صورة للدمار في خان يونس بقطاع غزة، تعود إلى يوم 9 أبريل 2024.

اتفاق غزة.. وعود بإنهاء الحرب وإعادة الإعمار وسط تداعيات اقتصادية

لكن وزير الأشغال العامة والإسكان الفلسطيني، عاهد فائق بسيسو، كشف في تصريحات يوم السبت أن مؤسسات دولية مثل البنك الدولي والاتحاد الأوروبي كانت قد قدّرت تكلفة إعادة الإعمار بحوالي 53 مليار دولار قبل ثلاثة أشهر، مشيراً إلى أن التكلفة الآن قد تتجاوز 70 مليار دولار نتيجة الأضرار الإضافية.

أشار بسيسو إلى أن قطاع الإسكان تضرر بشكل كبير، إذ بلغ عدد الوحدات السكنية المدمرة بالكامل حوالي 300 ألف وحدة من أصل 500 ألف وحدة، بالإضافة إلى 100 ألف وحدة أخرى تعرضت لأضرار جزئية.

كما أضاف أن أكثر من 85% من شبكة الطرق، وخاصة الطرق الرئيسة التي تربط بين المدن، تعرضت للدمار، مؤكداً أن حجم الأضرار في قطاع الإسكان يتجاوز 85%.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف