logo
اقتصاد

من الإغاثة إلى التعافي.. كيف يستثمر الأردن فرص إعادة الإعمار بعد غزة؟

من الإغاثة إلى التعافي.. كيف يستثمر الأردن فرص إعادة الإعمار بعد غزة؟
مسافرون بمطار الملكة علياء الدولي في عمان، الأردن، 21 مايو 2023.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

بعد شهور من الدمار والمعاناة، تُطوى صفحة الحرب على غزة لتُفتح أخرى لا تقل أهمية: صفحة إعادة البناء وإعادة التموضع في المنطقة. ومع وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، تتجه الأنظار إلى الأردن الذي يقف في قلب التحولات المقبلة، متأثراً بانعكاسات الحرب، لكنه في الوقت نفسه أمام فرص اقتصادية واستراتيجية قد تعيد رسم موقعه الإقليمي.

أخبار ذات صلة

سفينة راسية على رصيف في ميناء العقبة الأردني يوم 25 مايو 2023

الأردن: الصادرات الصناعية تنمو 6.6% إلى 6.8 مليار دولار في 7 أشهر

الأردن في قلب التحولات

حرب غزة لم تمرّ دون أثر على الاقتصاد الأردني؛ فقد تعطلت حركة التجارة مع فلسطين، وارتفعت تكاليف الشحن، وتراجع الطلب على الصادرات الأردنية، في حين تأثر قطاع السياحة نتيجة التوترات الأمنية. ومع أن هذه التطورات كبّدت الاقتصاد خسائر ملموسة، إلا أن مرحلة ما بعد الحرب تفتح الباب أمام الأردن للعب دور محوري في جهود الإعمار والنقل واللوجستيات، مستفيداً من موقعه الجغرافي وصلاته المباشرة بفلسطين.

ويُنظر إلى المملكة كمركز محتمل لانطلاق الاستثمارات والمساعدات الدولية المخصصة لإعادة إعمار القطاع، ما يستدعي إعداد خطة واضحة بالتعاون بين القطاعين العام والخاص لتحديد مجالات المشاركة، وتفعيل المناطق الحرة والمعابر التجارية مع فلسطين، إلى جانب جذب التمويل الدولي عبر تعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني.

محور إنساني ولوجستي

منذ اللحظات الأولى للتهدئة، برز الدور الأردني كممر رئيسي للمساعدات الإنسانية إلى غزة، عبر حدوده الجنوبية وميناء العقبة الذي تحوّل إلى مركز لتفريغ وتخزين المواد الإغاثية. هذا الدور الإنساني، رغم طابعه الإغاثي، يحمل بعداً اقتصادياً ملموساً، إذ ينشّط قطاعات النقل والتخليص والتخزين، لكنه في المقابل يفرض أعباء مالية إضافية على الخزينة العامة في ما يتعلق بالإنفاق الأمني والخدماتي.

ويؤكد خبراء أن استثمار هذا الدور يتطلب خطة حكومية مرنة لتسهيل الإجراءات الجمركية وتحفيز شركات النقل المحلية على الانخراط في عمليات الإمداد والإعمار، بما يعزز موقع الأردن كمحور لوجستي يخدم جهود التعافي في غزة والمنطقة.

رؤية الصناعة الأردنية

يرى ممثل غرفة صناعة الأردن والخبير الاقتصادي موسى الساكت في تصريح لـ«إرم بزنس» أن مرحلة ما بعد غزة تمثل «فرصة حقيقية للأردن لإعادة التموضع اقتصادياً في الإقليم بعد أن تكبد خسائر واضحة خلال فترة الحرب».

وقال الساكت إن «العدوان عطل حركة التجارة مع فلسطين ورفع تكاليف الشحن وأضعف الطلب على الصادرات الأردنية، وأثر على قطاع السياحة»، مؤكداً أن الأردن اليوم أمام فرصة لتعويض هذه الخسائر عبر المشاركة الفاعلة في إعادة الإعمار، خاصة في قطاعات النقل واللوجستيات التي يمكن أن يتحول من خلالها إلى شريان رئيسي لعمليات الشحن والتوريد.

وأضاف أن المطلوب في هذه المرحلة «إعداد خطة طارئة بالتعاون بين القطاعين العام والخاص لتحديد فرص المشاركة المختلفة، وتفعيل المناطق الحرة والمعابر التجارية لزيادة التبادل التجاري مع فلسطين، إلى جانب جذب التمويل الدولي عبر الأردن من خلال تعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني».

وأشار الساكت إلى أن المرحلة الحالية «تمثل فرصة للأردن لبناء موقع اقتصادي فاعل ضمن معادلة إعادة الإعمار، برؤية متوازنة تراعي المصالح الوطنية وتدعم استقرار فلسطين والمنطقة».

 ضباط شرطة أردنيون يفحصون السيارات عند معبر جابر الحدودي في الأردن، قرب نقطة تفتيش نصيب السورية، بالقرب من المفرق، الأردن، 25 أكتوبر 2018.
ضباط شرطة أردنيون يفحصون السيارات عند معبر جابر الحدودي في الأردن، قرب نقطة تفتيش نصيب السورية، بالقرب من المفرق، الأردن، 25 أكتوبر 2018. المصدر: رويترز

المقاولون الأردنيون على خط الإعمار

بدوره، أكد نقيب المقاولين الأردنيين فؤاد الدويري لـ«إرم بزنس» أن النقابة بدأت تحركاتها منذ الهدنة الأولى استعداداً للمشاركة في جهود إعادة إعمار غزة، مشيراً إلى أن النقابة عقدت اجتماعاً فورياً عقب وقف الحرب لمتابعة الملف، وأن التبرعات جاهزة لدعم الأشقاء في القطاع.

وأوضح الدويري أن نقابة المقاولين الأردنيين «أبرمت مذكرة تفاهم مع نقابة المقاولين الفلسطينيين، وهناك زيارة مرتقبة لوفد فلسطيني إلى الأردن خلال الأيام المقبلة».

وأضاف أن النقابة «قدمت خطة متكاملة بالشراكة مع نقابة المهندسين الأردنيين ومعظم الجهات المعنية، تحدد آلية المشاركة الأردنية في إعادة الإعمار»، مؤكداً أن نقابة المقاولين الأردنيين «جاهزة للعمل بأقل التكاليف الممكنة، وأن الاتصالات مستمرة مع الجانب الفلسطيني».

وأشار الدويري إلى أن النقابة وضعت خطة مفصلة تتضمن أولويات العمل في مشاريع البنية التحتية والإسكان والمرافق العامة، مؤكداً أن قطاع الإنشاءات الأردني يمتلك «الخبرة الفنية والقدرة العملية للمساهمة بفاعلية في جهود إعادة الإعمار».

السياحة على أعتاب التعافي

تأثر قطاع السياحة في الأردن والمنطقة خلال فترة الحرب بسبب التوترات الأمنية، إلا أن الهدوء النسبي المتوقع في المرحلة المقبلة يعيد الأمل بانتعاش تدريجي، خصوصاً في السياحة الدينية والعلاجية.

ويرى عاملون في القطاع أن الأردن يمكن أن يستفيد من موقعه كوجهة آمنة مستقرة وسط إقليم متقلب، عبر حملات ترويجية تستهدف الزوار من الخليج ومصر وبلدان أوروبا الشرقية، بالتزامن مع تنشيط الرحلات الجوية والبرية المشتركة مع دول الجوار.

سوريا تعود إلى المشهد

بالتوازي مع وقف الحرب في غزة، تشهد الساحة السورية عودة تدريجية للعلاقات مع دول عربية وإعادة فتح المعابر أمام حركة البضائع والأفراد. هذه العودة، وفق خبراء النقل، قد تفتح الطريق أمام استئناف خطوط التجارة البرية بين دول المنطقة وأوروبا، مما يعزز دور الأردن كممر تجاري نحو القارة الأوروبية.

ويشير مراقبون إلى أن استقرار الحدود الشمالية وعودة النشاط في معبر جابر–نصيب سيسهمان في خفض كلف النقل البري وزيادة التبادل التجاري الإقليمي، خصوصاً إذا جرى ربط هذه المسارات بخطط تطوير السكك الحديدية واللوجستيات في الأردن.

أخبار ذات صلة

صورة أرشيفية للبنك المركزي الأردني

الاستثمار الأجنبي في الأردن يقفز 36.4% إلى مليار دولار بالنصف الأول

تحديات المرحلة المقبلة

ورغم الآفاق الإيجابية، لا تزال التحديات حاضرة. فالمخاوف من انهيار الهدنة، وارتفاع التكاليف المالية لاستضافة المساعدات والنازحين، وضغوط سوق العمل والخدمات العامة، كلها عوامل قد تحدّ من سرعة التعافي.

ويحتاج الأردن إلى دعم دولي مباشر لتعويض الكلف الإنسانية والأمنية وتثبيت استقراره الاقتصادي في مواجهة انعكاسات الأزمات المتتالية في الإقليم.

يرى محللون أن المرحلة المقبلة تتطلب من الأردن تعزيز شراكاته الإقليمية واستثمار موقعه الجغرافي والبنية التحتية المتقدمة لتثبيت دوره كمركز لوجستي وسياحي في الشرق الأوسط. كما يتوجب على القطاع الخاص التحرك لاقتناص الفرص في مشاريع الإعمار والنقل والخدمات، في حين تواصل الحكومة العمل على برامج تحفيزية وتشريعات مرنة تعزز تنافسية الاقتصاد الوطني وتستفيد من زخم ما بعد الحرب.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف