
بعد عقود ارتبط فيها اقتصاد دول الخليج بالصناعات التقليدية واحتياطيات النفط، تواجه المنطقة اليوم تحوّلاً اقتصادياً غير مسبوق يعيد تشكيل ملامحها التنموية. وبينما تتوقع الأمم المتحدة عبر تقرير الأونكتاد أن ينخفض النمو العالمي إلى نحو 2.3% هذا العام، يواصل الخليج مساره المعاكس ويستقطب استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتكنولوجيا المالية والأمن السيبراني والبنية التحتية الرقمية، مع توقعات البنك الدولي لنمو اقتصادات المنطقة إلى 3.2% عام 2025 وترتفع إلى 4.5% عام 2026.
هذا الزخم لم يغيّر فقط مسار الاقتصادات الخليجية، بل جعل المنطقة وجهة رئيسية لرؤوس الأموال الدولية التي تبحث عن فرص نمو في أسواق تعتمد على التحول الرقمي كرافعة أساسية للتنويع الاقتصادي واستغلال الموارد المحلية بعيداً عن النفط.
تقود السعودية والإمارات التحول نحو اقتصاد مبني على الذكاء الاصطناعي، عبر استثمارات نوعية وبنى تحتية متطورة تعكس طموح المنطقة في ترسيخ موقعها ضمن الاقتصاد الرقمي العالمي.
ففي السعودية، أعلنت المملكة خلال مؤتمر «ليب 2025» (LEAP 2025) عن ضخ 14.9 مليار دولار في مشروعات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، في خطوة تعزز مكانتها كمركز رئيسي للابتكار وتطوير التقنيات المستقبلية.
وفي الإمارات، تتسارع جهود بناء البنية التحتية الرقمية عبر مبادرات بارزة، من بينها اتفاق شركة الاتصالات «دو» مع «مايكروسوفت» لإنشاء مركز بيانات فائق التطور (hyperscale) بقيمة 544.5 مليون دولار لتلبية الطلب المتزايد على الحوسبة السحابية وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
كما شهد عام 2025 إطلاق «كامبس دبي للذكاء الاصطناعي» (Dubai AI Campus)، وهو أكبر منطقة اقتصادية متخصصة بالذكاء الاصطناعي في الخليج، ضمن «مدينة دبي للإنترنت»، بهدف استقطاب الشركات العالمية وتمكين منظومات الابتكار والبحث والتطوير.
وفي قطر يتواصل الاستثمار في البحث العلمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم والصحة. وتبرز البحرين كمركز إقليمي للحوسبة السحابية والتكنولوجيا المالية بفضل بيئة تنظيمية مرنة واستضافة الخدمات السحابية التابعة لـ«أمازون ويب سيرفيسز».
أما عُمان فتسير بخطى ثابتة نحو بناء بنية رقمية حديثة، من خلال مراكز البيانات وتطوير الخدمات الحكومية الذكية ضمن «رؤية عُمان 2040».
تستند مرحلة جديدة من تطوير الذكاء الاصطناعي في دول الخليج إلى موارد الطاقة الشمسية الوفيرة، إذ تعمل الحكومات على دمج احتياجات الذكاء الاصطناعي من الطاقة ضمن الخطط الاستراتيجية للاستدامة.
ويعد مركز بيانات «مورو هاب» (Moro Hub)، المقام داخل أحد أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم، مثالاً رائداً للبنية التحتية النظيفة الجاهزة للذكاء الاصطناعي.
كما تسهم الشركات الناشئة المحلية في دفع هذا التحول. فشركة «بلانو» (Planno) العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي الجغرافي تستثمر الإمكانات للأسطح الشمسية في دبي، مستفيدة من مبادرة «شمس دبي» التابعة لـ«هيئة كهرباء ومياه دبي» (DEWA).
وعلى مستوى الشركات العالمية العاملة في الطاقة الشمسية، تواصل «جينكو سولار» (JinkoSolar) توسيع حضورها في أسواق الخليج مع ازدياد الطلب على حلول الطاقة المتجددة وتقنيات الألواح الشمسية المتقدمة.
ضمن جهود التحول بعيداً عن الاعتماد على النفط، تستثمر الحكومات الخليجية بكثافة في مشاريع الطاقة المتجددة وإدارة النفايات والتنمية الحضرية المستدامة. ووفقاً لـ«برايس ووترهاوس كوبرز» (PwC)، بلغ حجم الاستثمارات في تقنيات المناخ 5 مليارات دولار في العام المنتهي في سبتمبر 2023.
وتبرز الإمارات كقائد إقليمي في هذا المجال عبر مشاريع مثل «مدينة مصدر» والتشريعات الجديدة للبناء الأخضر، إضافة إلى هدف إمارة دبي بأن تأتي 75% من طاقتها من مصادر نظيفة بحلول 2050.
ومع توسّع التشريعات الخليجية المتعلقة بالإفصاح البيئي ومعايير الحوكمة، تزايد الطلب على حلول قياس الانبعاثات وإدارة بيانات الاستدامة، سواء من قبل الشركات المدرجة أو تلك الساعية للامتثال للمعايير الدولية.
باتت دول الخليج الأسرع نمواً في هذا القطاع عالمياً. ويظهر تحليل لـ«ماكينزي» (McKinsey) أن استثمارات القطاع بلغت 1.9 مليار دولار عبر 237 صفقة بين عامي 2022 و2024، مع توقعات بنمو 35% سنوياً حتى 2028.
ويُظهر قطاع التكنولوجيا المالية في الخليج تحولاً واضحاً في سلوك المستهلك، مع توسّع استخدام عمليات الدفع الرقمي والخدمات المصرفية الذكية ونماذج «اشتر الآن وادفع لاحقاً» التي أصبحت جزءاً من المعاملات اليومية.
وعلى مستوى الأعمال، يتزايد اعتماد الشركات على حلول التكنولوجيا المالية لمعالجة التحديات التشغيلية، خصوصاً في إدارة الرواتب والامتثال عبر الحدود، وهو ما يدفع العديد من المؤسسات إلى استخدام منصات متخصصة توفر بنى تحتية متكاملة للمدفوعات وتنظيم العمليات المالية في البيئات متعددة الأسواق.
يشهد قطاع الرعاية الصحية في دول مجلس التعاون الخليجي نمواً سريعاً، إذ يتوقع أن يصل الإنفاق الصحي فيها إلى 135.5 مليار دولار بحلول 2027. وقد تسارعت الحلول الصحية الرقمية أثناء الجائحة وما زالت تزدهر عبر الطب عن بُعد والتشخيصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتشير تقديرات «ماكينزي» إلى أن التبني الواسع لتقنيات الصحة الرقمية يمكن أن يضيف ما بين 15 و27 مليار دولار إلى الاقتصاد الصحي السعودي بحلول عام 2030، من خلال تحسين إدارة الأمراض المزمنة، وتخفيف الضغط على البنية التحتية التقليدية، ورفع مستوى الإنتاجية في القطاع.
كما يرجح أن تصل سوق تكنولوجيا المعلومات الصحية في دول الخليج إلى نحو 7.9 مليارات دولار بحلول عام 2028، مع ازدياد اعتماد الأنظمة الصحية على الحلول الرقمية لتحسين جودة الرعاية وتقليل التكاليف التشغيلية.
مع تزايد الشركات العالمية التي تختار الخليج مقراً إقليمياً لعملياتها، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من البنية التشغيلية للمؤسسات، إذ يُستخدم في تحسين الكفاءة الإدارية، ورفع جودة اتخاذ القرار، وتعزيز الإنتاجية داخل بيئات العمل.
وتشمل التطبيقات الأكثر انتشاراً أتمتة المهام المكتبية، وتحليل البيانات التشغيلية في الوقت الفعلي، وإدارة الأصول على نطاق واسع، إضافة إلى أدوات دعم المبيعات وتطوير العلاقات مع العملاء.
ويأتي هذا التوسع انسجاماً مع توجه الشركات نحو تقليل التكاليف، وتحسين إدارة المخاطر، وبناء نماذج أعمال أكثر مرونة واستجابة، ما يجعل الذكاء الاصطناعي عنصراً محورياً في تعزيز تنافسية الشركات العاملة في المنطقة.
مع توسّع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والحلول المالية السحابية في دول الخليج، تزايدت الحاجة إلى أنظمة أمن سيبراني أكثر تطوراً قادرة على التعامل مع حجم البيانات المرتفع وتنوّع التهديدات الرقمية.
وقد دفع ذلك الحكومات والمؤسسات إلى تعزيز استثماراتها في البنى الدفاعية، بما في ذلك أنظمة الكشف المبكر عن الهجمات، والمراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومنصات حماية البيانات الحساسة.
ويُتوقّع أن يواصل قطاع الأمن السيبراني في الخليج نموه المتسارع خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً باندماج التقنيات السحابية وتوسّع التحول الرقمي في القطاعات الحكومية والمالية والطاقة.