logo
شركات

«أرامكو» تحدث خريطتها الاستثمارية عبر الذكاء الاصطناعي

«أرامكو» تحدث خريطتها الاستثمارية عبر الذكاء الاصطناعي
شعار «أرامكو» في مركز مؤتمرات بلازا، الظهران، السعودية، 3 نوفمبر 2019.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

تتقدم «أرامكو» السعودية بخطوة جديدة داخل قطاع الذكاء الاصطناعي عبر الاستحواذ على حصة مؤثرة في شركة «هيوماين» (Humain) الحكومية، في خطوة تعكس إدراكاً أعمق بأن الانتقال العالمي بعيداً عن الهيدروكربونات يتطلب توجهاً نحو صناعات ذات طبيعة رقمية عالية القيمة.

يأتي هذا التوجه في مرحلة تتراجع فيها القيمة السوقية للشركة منذ إدراجها في 2019، ما يعكس حاجة متزايدة لإيجاد مصادر دخل إضافية ومتنوعة، خصوصاً مع تبدّل ديناميكيات الطلب على الطاقة التقليدية.

وتنظر «أرامكو» إلى الذكاء الاصطناعي ليس فقط كرافد تشغيلي لرفع الكفاءة داخل أعمالها الصناعية، بل كمجال استثماري قادر على ترسيخ موقع المملكة في الاقتصاد العالمي الجديد. وبحسب الرئيس التنفيذي أمين الناصر، فإن مبادرات الشركة التقنية ولّدت نحو 6 مليارات دولار خلال عامين فقط، ما يعكس اتجاهاً يهدف إلى تحويل التقنيات المتقدمة من أدوات داعمة إلى عناصر مركزية في نموذج العمل المستقبلي.

أخبار ذات صلة

شعار شركة أرامكو السعودية 12-10-2019

«سيتي غروب» يرتب لبيع حصة من أصول «أرامكو» في تخزين وتصدير النفط

«نفط جديد» قائم على البيانات

يتسق تحرك «أرامكو» مع السياق الاقتصادي الأوسع في الخليج، حيث تتجه دول المنطقة إلى اعتبار الذكاء الاصطناعي مورداً إستراتيجياً يعادل النفط في تأثيره طويل الأمد. وتشير تحليلات حديثة إلى أن الاقتصادات الخليجية باتت تستثمر بكثافة في مراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والبنية الرقمية، في إطار سعيها لتنويع مصادر الدخل واستقطاب الصناعات ذات القيمة المرتفعة.

ويقوم هذا التحول على معادلة اقتصادية واضحة: كلما ازدادت كثافة استهلاك الطاقة في الحوسبة المتقدمة، أصبحت كلفة الكهرباء عاملاً حاسماً في تحديد مواقع الاستثمار. وبناءً عليه، تبرز الدول التي تمتلك طاقة منخفضة التكلفة وموارد وفيرة كمواقع طبيعية لاستضافة سلاسل إنتاج الذكاء الاصطناعي.

تنتقل الطاقة هنا من دورها التقليدي كمُدخل للصناعات الثقيلة إلى أصلٍ استراتيجي يشغّل البنية التحتية للحوسبة، بما في ذلك مراكز البيانات فائقة القدرة التي تمثل اليوم القاعدة التشغيلية لتدريب النماذج اللغوية الكبرى وتقديم خدمات المعالجة عالية الكثافة.

طاقة رخيصة تدعم تنافسية الخليج

تُعد تكلفة الطاقة العامل الأهم في تحديد موقع مراكز البيانات فائقة القدرة، إذ تمثل ما بين 30% و50% من إجمالي تكاليف التشغيل. وتُظهر التقديرات أن تشغيل مركز بيانات بقدرة 100 ميجاواط في الخليج يمكن أن يتم بنصف تكلفة تشغيل مركز مماثل في الولايات المتحدة أو أوروبا. هذا الفارق، إلى جانب توفر الأراضي واستقرار البيئة التنظيمية، يوفر ميزة تنافسية يصعب على الأسواق الغربية مجاراتها.

كما تستفيد المنطقة من سرعة تطوير البنية التحتية واستعداد الحكومات لتمويل شبكات الألياف الضوئية، ومحطات التبريد، وأنظمة النقل الكهربائي. وهذا ينسجم مع خطط طويلة الأمد تهدف إلى جعل الخليج مركزاً عالمياً للحوسبة، لا مجرد منطقة مستهلكة للتقنيات المستوردة.

في هذا السياق، تتحول الطاقة التي كانت تُستخدم تاريخياً لدعم الصناعات التقليدية إلى عنصر حيوي يقوم عليه بناء صناعة الذكاء الاصطناعي، ما يمنح المنطقة فرصة لإعادة صياغة دورها الاقتصادي عالمياً في السنوات المقبلة.

أرامكو السعودية تكسر الاحتكار الأميركي لقائمة الأعلى قيمة سوقية
أرامكو السعودية تكسر الاحتكار الأميركي لقائمة الأعلى قيمة سوقية المصدر: إرم بزنس

قدرة حاسوبية تعزّز الطموح السعودي

في إطار التوجه الوطني لتصدير القدرة الحاسوبية، تعمل «هيوماين» على بناء ما يصل إلى ستة جيجاواط من طاقة مراكز البيانات داخل المملكة، وهو رقم يضع السعودية ضمن أكبر المراكز المستقبلية للحوسبة في العالم.

وقد وقّعت الشركة خلال 2025 اتفاقيات مع شركات عالمية مثل «إنفيديا» (Nvidia) و«إكس إيه آي» (xAI) لنشر مليارات الدولارات من المعالجات المتقدمة داخل المملكة والولايات المتحدة، في خطوة تعزز موقع السعودية كمحور لنشر تقنيات الحوسبة عالية الأداء.

هذا التوسع لا يهدف فقط إلى جذب الاستثمارات، بل إلى تحويل المملكة إلى مورد عالمي للقدرة الحاسوبية، أي بيع «القدرة على المعالجة» كما تُباع اليوم السلع والخدمات. وتشير تحليلات إلى أن السوق العالمية للحوسبة السحابية ستشهد فجوة ضخمة بين العرض والطلب، ما يفتح المجال أمام دول قادرة على توفير الحوسبة بأسعار أقل بكثير مما هو متاح في الدول الصناعية التقليدية.

استثمارات دولية تتدفق نحو الخليج

شهد عام 2025 دخول شركات تكنولوجيا كبرى إلى السوق الخليجية ضمن أشهر موجات الاستثمار في تاريخ المنطقة. فقد أعلنت «مايكروسوفت» (Microsoft) و«آي بي إم» (IBM) و«أمازون ويب سيرفيسز» (Amazon Web Services) عن مشاريع مشتركة لإنشاء منصات سحابية ومراكز بيانات جديدة، في حين ضخت «إنفيديا» استثمارات ضخمة في البنية التحتية السعودية.

ويعود هذا الاهتمام إلى مزيج نادر يصعب إيجاده في أسواق أخرى: طاقة رخيصة، وموارد مالية كبيرة، وبيئة تنظيمية مرنة، وموقع جغرافي يتيح ربط ثلاث قارات. هذا الخليط يمنح المنطقة فرصة تحوّل من سوق مستهدفة إلى عقدة مركزية في الاقتصاد الرقمي العالمي.

تحديات قائمة رغم الجاذبية الاستثمارية

على الرغم من توفر المقومات الأساسية، تواجه المنطقة تحديات لا يمكن تجاهلها. فالاعتماد الكبير على كابلات الإنترنت العابرة للبحر الأحمر يجعلها عرضة لمخاطر جيوسياسية وتقنية، كما يشكل الاستهلاك المائي الضخم لمراكز البيانات عبئاً متزايداً على الموارد الطبيعية.

وتشير الدراسات إلى أن التفاؤل العالمي بالذكاء الاصطناعي قد لا ينعكس دائماً في مكاسب إنتاجية مباشرة، مما يثير مخاوف من فقاعة استثمارية إذا لم تترافق الاستثمارات مع عائد حقيقي.

مع ذلك، يرى محللون أن دخول دول الخليج مبكراً في صناعة القدرة الحاسوبية يمنحها فرصة لبناء قطاع جديد قادر على توليد دخل طويل الأمد، وأن امتلاك الطاقة الرخيصة يظل عاملاً مركزياً لا يمكن لأي سوق تقليدية منافسته على المدى القريب.

أخبار ذات صلة

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لفريق وحدة القطاع في أرامكو

«أرامكو فينتشرز» تتوسع بمكتب جديد بباريس للاستثمار في الذكاء الاصطناعي

«أرامكو» تصوغ تقنياتها المستقبلية

بالنسبة لـ«أرامكو»، لا يمثّل الاستثمار في «هيوماين» خطوة مالية فحسب، بل هو جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى المشاركة في صياغة التكنولوجيا الصناعية التي ستعتمد عليها الشركة لسنوات قادمة.

فمع اعتماد أعمالها على عمليات صناعية كثيفة البيانات، ترى الشركة أن امتلاك نفوذ مبكر في الذكاء الاصطناعي الصناعي سيسمح لها بإعادة تصميم نماذج التشغيل، ورفع الكفاءة، وضمان استمرارية النمو داخل قطاع يشهد تحولات جذرية.

ويؤكد أمين الناصر أن استثمارات الشركة التقنية في العامين الماضيين تمثل بداية مرحلة جديدة تتداخل فيها الطاقة والتقنية لتشكيل محرك نمو موحد، يعكس رؤية «أرامكو» لنفسها ليس كأكبر شركة طاقة في العالم، بل كلاعب رئيس في الاقتصاد الرقمي.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف