logo
اقتصاد

من التوطين إلى التمكين.. قدرات محلية تصنع مستقبل الصناعة بالشرق الأوسط

من التوطين إلى التمكين.. قدرات محلية تصنع مستقبل الصناعة بالشرق الأوسط
عامل خلال أداء مهامه في أحد مصانع شركة «إمستيل» الإماراتية.المصدر: موقع الشركة الإلكتروني.
تاريخ النشر:

يتشكل واقع صناعي جديد في الشرق الأوسط مع التوسع المتسارع لشركات الطاقة العالمية في مشاريع استراتيجية، كتوسعة حقل الشمال في قطر وتطوير حقول الغاز في السعودية، إلى جانب مشاريع التنقيب والتصنيع في مصر والعراق والمغرب. وقد أدى هذا الزخم الإقليمي المتنامي إلى بروز عنصر حاسم في قدرة دول المنطقة على تعزيز تنافسيتها الصناعية: «التوطين»، باعتباره أداة لبناء منظومات إنتاج أكثر قدرة على الاستجابة والتكيّف والاستدامة.

ومع مرور الوقت، لم يعد «توطين الصناعة» مجرّد التزام تنظيمي مرتبط بعقود الاستثمار، بل تحوّل إلى رافعة اقتصادية أساسية تدعم سلاسل الإمداد المحلية وتقلّل الاعتماد على الخارج، مما يسمح للدول بتعزيز قوتها الصناعية الداخلية. وبما أن الشرق الأوسط منطقة شديدة التنوع من حيث الموارد والقدرات، فقد اتخذ «التوطين» أشكالاً متعددة تتلاءم مع سياقات كل دولة.

أخبار ذات صلة

شائر عمر العامري، مدير تطوير الأعمال والعلاقات في منصة «صناعة»، خلال مقابلة مع «إرم بزنس»، على هامش ملتقى «تصفير البيروقراطية»، المنعقد في دبي، بتاريخ 25 نوفمبر 2025.

منصة «صناعة»: 67 ألف طلب لمنتجات إماراتية وتوطين 12 مشروعاً

تنويع الاقتصاد في دول الخليج

ولعل دول الخليج تقدّم أوضح الأمثلة على هذا التحوّل. ففي السعودية، أسهم برنامج «اكتفاء» منذ 2015 في إعادة هيكلة العلاقة بين الشركات العالمية والسوق المحلية؛ إذ أدّى إلى إيجاد مئات الآلاف من الوظائف وتوجيه معظم مشتريات شركة «أرامكو» إلى الموردين المحليين. ومع تقدم تنفيذ «رؤية 2030»، أصبح التوطين جزءاً لا يتجزأ من مشروع تحويل الصناعة إلى محرّك رئيسي لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.

وفي الاتجاه نفسه، تتبنى الإمارات نموذجاً أكثر تطوراً يقوم على «القيمة الوطنية المضافة» (ICV)، حيث أصبح التركيز منصباً على جودة الوظائف وليس حجمها. وقد انعكس ذلك في ارتفاع أعداد الإماراتيين العاملين في الشركات الحاصلة على شهادات «القيمة الوطنية المضافة» بنسبة 40% خلال النصف الأول من 2024.

ومع توسع برنامج «نافس» في تدريب وتأهيل آلاف المواطنين داخل المنشآت الصناعية والتكنولوجية، تحوّل التوطين إلى منصة لبناء رأس مال بشري قادر على قيادة قطاعات استراتيجية مثل الفضاء والطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة.

في الوقت ذاته، تعتمد سلطنة عُمان نهجاً يقوم على تعميق حضور المواطنين داخل القطاعات الصناعية، عبر توسيع سياسة «التعمين» وإضافة مهن جديدة تُحصر بالكوادر الوطنية. ومن خلال ذلك تربط السلطنة قدرة الشركات على المنافسة بمدى اندماجها في المجتمع المحلي وقدرتها على تطوير مهاراته.

أما قطر، فقد اختارت توطين القدرات الصناعية بدل الاكتفاء برفع نسب التوظيف، في مسعى لتعزيز جاهزية الدولة لمشاريع الغاز الكبرى. ونجح برنامج «توطين» بالفعل في رفع المحتوى المحلي في قطاع الطاقة إلى ما يقارب 28.5%، مع توفير وظائف عالية المهارة في مجالات هندسية وفنية متقدمة.

موظف يتحدث إلى إحدى الزائرات في جناح شركة «التعاونية السعودية لخدمات التأمين» خلال مؤتمر السلامة والصحة المهنية 2024 الذي أقيم في الرياض خلال مايو 2024.
موظف يتحدث إلى إحدى الزائرات في جناح شركة «التعاونية السعودية لخدمات التأمين» خلال مؤتمر السلامة والصحة المهنية 2024 الذي أقيم في الرياض خلال مايو 2024. المصدر: صفحة شركة «التعاونية السعودية لخدمات التأمين» على (فيسبوك).

نماذج صناعية في الشرق الأوسط

مع أنّ دول الخليج تقود مرحلة التحوّل الصناعي، إلا أن باقي دول الشرق الأوسط تسير في الاتجاه نفسه ولكن بأساليب مختلفة. فمصر، على سبيل المثال، تنفذ استراتيجية واسعة لتطوير قاعدة صناعية تشمل السيارات والمستحضرات الدوائية والإلكترونيات والطاقة المتجددة. وقد أصبحت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس مركزاً للصناعات الموجهة للتصدير بفضل برامج تدريب وتأهيل تركّز على رفع كفاءة العمالة المحلية.

وفي الأردن، يبرز التوطين من خلال الاستثمار طويل الأجل في رأس المال البشري، ما جعل البلاد مركزاً إقليمياً للصناعات الدوائية والمحتوى الرقمي والمستلزمات الطبية. ومع توسع التصنيع الخفيف والمتوسط، اكتسبت الكفاءات الهندسية الأردنية أهمية متزايدة في تطوير قطاعات الإنتاج.

أما المغرب فقد تحوّل إلى واحدة من أهم المنصات الصناعية في المنطقة، بعد أن جذبت كبريات شركات السيارات والطائرات إلى أراضيها. ويعتمد هذا النجاح على سياسات تصنيع ترتكز على العمالة الوطنية وبرامج حكومية مستمرة للتدريب المهني، مما جعل المغرب اليوم مصدراً رئيسياً لقطع السيارات والطائرات نحو أوروبا وأفريقيا.

وفي المقابل، يواجه العراق تحديات تشغيلية معقدة فرضت عليه التوسع في بناء قدرات صناعية محلية. فصعوبة نقل المعدات وكثافة الإجراءات البيروقراطية جعلت تطوير ورش الصيانة المحلية وتدريب الكوادر الوطنية في قطاعي النفط والغاز ضرورة لضمان استمرارية الإنتاج الوطني.

بيئة تشغيلية معقدة تفرض حلولاً محلية

إلى جانب اختلاف مستويات التطور الاقتصادي، تتباين القوانين واللوائح والثقافات التشغيلية بين دول الشرق الأوسط بشكل كبير، وهو ما يجعل النماذج الجاهزة القادمة من الخارج غير قابلة للتطبيق.

فنجاح الشركات، سواء كانت إقليمية أو دولية، يرتبط اليوم بقدرتها على فهم الخصوصيات المحلية والتعامل مع تحدياتها، من الأنظمة الجمركية المتباينة إلى القيم المهنية واتجاهات التوظيف.

ولذلك، لم يعد وجود الشركات العالمية داخل المنطقة أمراً تكميلياً، بل أصبح ضرورة تشغيلية تقلّل مخاطر التعطل وتسرّع الاستجابة للأعطال وتضمن استمرارية الإنتاج، خصوصاً في الصناعات التي يتسبب فيها التوقف بخسائر كبيرة.

بفضل هذا الواقع، تحوّلت الشراكات المحلية من مجرد متطلبات تنظيمية إلى عنصر تنافسي رئيسي. فالشريك المحلي لا يوفر البنية التحتية المناسبة فحسب، بل يقدّم أيضاً معرفة تقنية متجذرة داخل السوق، ويسهم في تسريع عمليات الصيانة والتشغيل وتقليل زمن التوقف الإنتاجي. وفي قطاع يمكن أن تساوي فيه ساعة واحدة ملايين الدولارات، تصبح القدرات المحلية عنصراً لا غنى عنه في استدامة الأعمال.

أخبار ذات صلة

سيدة الأعمال السعودية مشاعل بن سعيدان

مشاعل بن سعيدان لـ«إرم بزنس»: السعودية تتحرك لتوطين تقنيات البناء

رأس مال بشري قيادي

على الرغم من تنوّع أساليب التوطين في الشرق الأوسط، يبقى التركيز المتزايد على بناء مهارات وطنية هو الخيط الذي يجمع الدول جميعاً. ففي الخليج تتجه الجهود نحو التصنيع الذكي والطاقة المتقدمة، بينما تركّز مصر على تدريب آلاف العمال في الصناعات الثقيلة، وتعتمد الأردن ولبنان على تطوير رأس مال بشري رقمي وهندسي، ويستثمر المغرب وتونس في تأهيل كفاءات صناعية لقطاعات السيارات والطيران والمنسوجات.

يسهم هذا التوجه المتكامل لبناء المهارات في إنشاء قاعدة بشرية قادرة على تشغيل المصانع الحديثة، وتطوير منتجات وطنية قابلة للتصدير، وتعزيز سلاسل الإمداد المحلية داخل المنطقة، الأمر الذي يهيّئ الشرق الأوسط لمرحلة اقتصادية مفصلية تتصدر فيها القدرات المحلية المشهد الصناعي.

فهذه القدرات باتت الركيزة الحقيقية التي يُبنى عليها مستقبل الصناعة. ومن دون الاستثمار فيها، ستجد الدول صعوبة في بناء صناعة متقدمة أو جذب استثمارات مستدامة. وفي المقابل، فإن الدول التي تنجح في ربط التوطين بالقيمة المضافة والابتكار وتنمية مهارات وطنية عالية الكفاءة، ستكون الأقدر على قيادة الاقتصاد الإقليمي خلال العقد المقبل.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف