
في لحظة قد تعيد تعريف المستقبل الاقتصادي لسوريا، استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض أمس، ما أطلق موجة من التفاؤل حول إمكانية رفع العقوبات الاقتصادية الخانقة.
ولم تتأخر وزارة الخزانة الأميركية بإعلانها تعليق فرض العقوبات بموجب «قانون قيصر» على سوريا جزئياً لمدة 180 يوماً، في تجديد لتعليق سابق صدر في 23 مايو الماضي، مع استثناء بعض المعاملات التي تشمل روسيا وإيران.
هذا التقارب الدبلوماسي غير المسبوق لا يفتح فقط صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، بل يضع الاقتصاد السوري المنهك، وخصوصاً سوق العقارات، أمام منعطف حاسم.
فهل يكون هذا اللقاء هو الشرارة التي ستشعل انتعاشاً طال انتظاره في أسعار الأراضي وتدفع عجلة الصناعة والتجارة من جديد؟
شهد الاقتصاد السوري في سنوات الحرب والعقوبات انهياراً كارثياً، حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 67.5 مليار دولار في 2011 إلى أقل من 19 مليار دولار وفق أحدث تقديرات البنك الدولي لعام 2023، ما يمثل تراجعاً كبيراً يتجاوز 80%.
أدى «قانون قيصر»، الذي فُرض في 11 ديسمبر 2019، إلى عزل سوريا عن النظام المالي العالمي، ما شل قدرتها على الاستيراد والتصدير وجذب الاستثمارات.
وكانت الصناعة السورية في قلب هذه العاصفة، حيث قُدرت الأضرار التي لحقت بالقطاع بأكثر من 150 مليار دولار، مع تدمير ما يقارب 67% من البنى التحتية الحيوية، وفق بيانات وزارة الصناعة السورية.
تعد حلب، العاصمة الاقتصادية التاريخية، الشاهد الأكبر على هذا الدمار، مسجلة أضراراً في قطاعها العام الصناعي وحده بنحو 1.3 مليار دولار، فالمدينة الصناعية بالشيخ نجار، التي كانت تضم آلاف المصانع، تعرضت بنيتها التحتية لدمار وصل إلى 95%، ورغم ذلك، تكافح المدن الصناعية للبقاء.
ففي حلب عادت حوالي 700 منشأة للإنتاج، وفي ريف دمشق عادت 6500 منشأة للعمل، ما يدل على رغبة قوية في إعادة البناء.
على الصعيد العقاري، تجمدت حركة السوق بفعل تدهور القوة الشرائية وصعوبة تحويل الأموال، رغم وجود طلب كبير من المغتربين.
وفي خضم هذا الركود، استمر العمل في مشاريع كبرى مثل «ماروتا سيتي» في دمشق، التي استقطبت المستثمرين ذوي الملاءة المالية بأسعار تتراوح بين 1000 و 2500 دولار للمتر المربع.
في المقابل، تعثرت مشاريع السكن الشبابي التي بدأت عام 2002، تاركة آلاف المكتتبين بانتظار استلام منازلهم لعقود بسبب أزمات التمويل.
بدوره، قد يكون قطاع السياحة الأسرع بالاستجابة لأي انفراج سياسي، فقبل الأزمة، كانت السياحة تشكل ما يقارب 12% من الناتج المحلي الإجمالي، حيث استقبلت البلاد أكثر من 8.5 مليون سائح خلال عام 2010، أما اليوم، فهذا القطاع شبه متوقف.
ومع رفع العقوبات وعودة الاستقرار ستنشط الفنادق والمطاعم ويوفر فرص عمل سريعة، إلى جانب إعادة تشغيل المطارات، وتسهيل الحصول على التأشيرات، وعودة شركات الطيران العالمية.
يعيش أكثر من 90% من السوريين اليوم تحت خط الفقر، ويعاني حوالي 12.4 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
كما ارتفعت معدلات البطالة بشكل حاد لتتجاوز 50%، مقارنة بـ8.4% عام 2010، ما يعني أن أي انتعاش اقتصادي، مدفوعاً بعودة الصناعة والاستثمار، سيؤدي إلى خلق آلاف فرص العمل التي تشتد الحاجة إليها.
ويرى خبراء اقتصاديون أن رفع العقوبات سيكون بمثابة «قبلة الحياة» للاقتصاد، فإعادة ربط سوريا بنظام «سويفت»، ستطلق العنان لتدفقات مالية ضخمة من المغتربين والمستثمرين.
هذا الانتعاش سينعكس مباشرة على كثير من القطاعات لاسيما سوق الأراضي والعقارات، مع توقعات بارتفاع تدريجي في الأسعار، خاصة في المدن الكبرى والمناطق الآمنة مثل دمشق وحلب واللاذقية، وتحريك المشاريع السكنية المتوقفة.
يمثل لقاء «الشرع - ترامب» فرصة تاريخية لسوريا لطي صفحة الماضي وبدء مسيرة إعادة الإعمار. لكن رفع العقوبات وحده ليس عصاً سحرية، بل إن تحقيق انتعاش اقتصادي حقيقي ومستدام يتطلب حزمة متكاملة من الإصلاحات الداخلية، تشمل توفير بيئة استثمارية آمنة، ومكافحة الفساد، وإصلاح القطاع المصرفي، ووضع سياسات اقتصادية واضحة تعيد الثقة للمستثمر المحلي والأجنبي على حد سواء.
كما أن عملية إعادة البناء ستستغرق عقوداً وتتطلب مئات مليارات الدولارات، ولن تحدث دون مساهمة دولية واسعة.