تدشين «الجليلات» يمنح محافظة ميسان دفعة اقتصادية كبرى
خبير لـ«إرم بزنس»: «طريق التنمية» يحمل فرصاً هائلة لبغداد

تسعى الحكومة العراقية منذ عام 2024 إلى إعادة تموضع البلاد كممر بري يربط الخليج بآسيا الوسطى وتركيا، ضمن رؤية تقوم على استثمار الموقع الفريد في قلب الممرات الإقليمية.
في شهر سبتمبر 2025، أعلنت هيئة المنافذ الحدودية، بدء تنفيذ قرار فتح معبرين جديدين: «الجليلات» في محافظة ميسان باتجاه إيران، و«العويقيلة» في محافظة النجف باتجاه السعودية.
خطوةٌ اعتبرها مراقبون، ومنهم الباحث الاقتصادي في جامعة «أنگليا روسكن» البريطانية زياد الهاشمي «اختباراً مبكراً لقدرة بغداد على موازنة الجغرافيا بالسياسة، وتحويل التنافس الإقليمي إلى شبكة مصالح تجارية واقعية».
بحسب تقارير إعلامية، يمنح معبر «الجليلات» محافظة ميسان دفعة اقتصادية كبرى، بفضل قربه من مدينة إيلام الإيرانية، واختصاره المسافات بنسبة تصل إلى 30% مقارنة بالطرق التي تمر عبر البصرة أو ديالى.
الهاشمي أكد لـ«إرم بزنس» أن: «الربط عبر إيران يوفّر مكاسب جغرافية فورية، لكنه يبقى محفوفاً بمخاطر العقوبات الدولية المفروضة على طهران، ما يجعل الاعتماد عليه وحده غير مستدام على المدى الطويل»، مرجحاً في الوقت نفسه أن يكون المسار الأكثر استقراراً هو الربط البري عبر تركيا الذي يضمن تدفقات تجارية آمنة بين الخليج وآسيا الوسطى.
أما معبر «العويقيلة» في النجف، فسيمثل منفذاً مباشراً نحو الأسواق الخليجية دون المرور بالمنافذ التقليدية المزدحمة، حيث اعتبر الهاشمي أن «المنفذ سيخلق فرصاً جديدة في قطاع النقل والخدمات داخل النجف، ويحوّلها إلى مركز عبور فعّال للبضائع بين السعودية والعراق».
في أبريل 2025، فعّل العراق نظام (TIR) للنقل الدولي البري بإشراف الأمم المتحدة، ما أتاح تقليص زمن عبور البضائع بنسبة 80%، وخفض التكلفة حتى 38%، وبذلك، أصبحت الرحلات البرية بين أوروبا ودول الخليج عبر العراق لا تتجاوز 10 أيام، مقارنة بـ24 يوماً عبر البحر، وهي ميزة تنافسية بدأت تعيد رسم خرائط النقل في المنطقة.
تشير دراسة «المركز العربي» في واشنطن إلى أن العراق يمتلك موقعاً فريداً عند نقطة التقاء مشروعين جيو - اقتصاديين متنافسين هما: «طريق التنمية» و«الممر الشمالي - الجنوبي».
هذا التقاطع يمنحه فرصة نادرة للتحوّل من ممر عبور إلى مركز توزيع إقليمي، شريطة أن يُنفَّذ نموذجاً اقتصادياً متكاملاً يركز على الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، وليس فقط النقل.
الهاشمي، شدد على أن «مشروع (طريق التنمية) يحمل فرصاً اقتصادية هائلة للعراق والمنطقة، إذا ما تم تنفيذه بشكل يركز على القيمة المضافة والخدمات اللوجستية، إذ يمكن أن يحقق عوائد سنوية تصل إلى 4 مليارات دولار».
لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن المشروع «ما زال يواجه تحديات تمويلية كبيرة بسبب حجم الاستثمارات المطلوبة، فضلاً عن المنافسة الشرسة في قطاع النقل الدولي، وصعوبة تغيير سلاسل الإمداد العالمية المستقرة منذ عقود على النقل البحري».
محافظة ميسان، بحسب تصريحات إعلامية للنائب العراقي علي سعدون اللامي «ستشهد تحوّلاً نوعياً في النشاط الاقتصادي مع بدء العمل بمعبر (الجليلات)، الذي سيحرّك سوق النقل والخدمات، ويعزز صادرات المنتجات الزراعية والنفطية نحو إيران».
الهاشمي رأى أن: «هذا النشاط المحلي يشكل لبنة مهمة في بناء منظومة لوجستية عراقية متكاملة، لكنه سيظل محدود الأثر إذا لم يتصل بشبكة سكك حديد وموانئ حديثة تربط الجنوب بالحدود».
أما محافظة النجف، فستستفيد من ناحيتها اقتصادياً وسياحياً مع فتح معبر «العويقيلة»، الذي سيسهل حركة الزوار والحجاج بين السعودية والعراق.
تشير بيانات إلى أن العراق يستقبل أكثر من 10 ملايين زائر سنوياً، في حين تسعى الحكومة إلى رفع مساهمة السياحة في الناتج المحلي إلى 10% خلال الأعوام المقبلة، ما يجعل الربط البري مع السعودية رافعة إضافية لهذا القطاع الحيوي.
تواجه بغداد سلسلة تحديات قد تُبطئ مشروعها الطموح، فبحسب هيئة المنافذ الحدودية، تعاني بعض المعابر من ضعف في التجهيزات الأمنية والخدمية، بينما لا تزال الطرق المؤدية إليها تحتاج إلى صيانة.
أشار الهاشمي أيضاً إلى أن البنية التحتية للنقل التجاري داخل العراق لاتزال هشة ومتقادمة، خصوصاً في قطاع السكك الحديد، ما يحدّ من قدرة البلاد على منافسة الممرات البحرية المتطورة.
وتتفق تقديرات الأمم المتحدة والاتحاد الدولي للنقل البري على أن موقع العراق يمكن أن يعيد رسم خريطة التجارة البرية في الشرق الأوسط، شريطة استكمال مشاريع البنية التحتية، وتأمين استقرار سياسي طويل الأمد.
من جهة أخرى، اختصر الهاشمي الصورة بقوله: «العراق يمتلك الجغرافيا، لكنه يحتاج إلى الإرادة التنفيذية»، يبدو أن نجاح التجربة العراقية لن يُقاس بعدد المعابر المفتوحة فقط، بل بالقدرة على بناء نظام نقل متكامل يربط الموانئ بالحدود، ويحوّل البلاد من دولة عبور إلى مركز توزيع فعلي. يرى البعض أنه في حال تحقق ذلك فعلياً على الأرض، قد يعود العراق إلى دوره التاريخي كـ«جسر بين الشرق والغرب» لا مجرد طريق تمرّ به البضائع، بل «عقدة حيوية» تعيد رسم مسارات التجارة في المنطقة برمتها.