
تواجه الشركات الأجنبية العاملة في تركيا ضغوطاً متزايدة مع تفاقم معدلات التضخم وارتفاع تكاليف التشغيل، إلى جانب التحولات العميقة في سلاسل التوريد العالمية، ما أسهم في إعادة تشكيل بيئة الأعمال والمشهد الاستثماري في البلاد.
ورغم استمرار تدفقات «الاستثمارات الأجنبية المباشرة» (FDI) إلى تركيا، فقد شهد العام الماضي خروج أو تقليص أنشطة عدد من الشركات الدولية، وفق تقرير نشره موقع AGBI.
وكان أحدث المنسحبين شركة الشحن الألمانية «هاباغ-لويد» (Hapag-Lloyd)، التي أعلنت الأسبوع الماضي إغلاق مركزها العالمي للخدمات المشتركة في إزمير، في خطوة ستؤدي إلى فقدان نحو 300 وظيفة.
وأوضحت الشركة في بيان لـ(AGBI) أن المركز، الذي كان يقدّم خدمات المبيعات والإدارة والدعم التشغيلي، أصبح غير قابل للاستمرار في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، مضيفة: «في إطار هذه التحولات، سنغلق مركزنا في إزمير حيث جعلت البيئة الاقتصادية الصعبة استمرار العمليات أمراً غير ممكن».
وفق وسائل إعلام محلية، أكدت دونيا-فلورنس أمير، المديرة التنفيذية للمعلومات والمديرة التنفيذية للموارد البشرية في الشركة، أن قرار الإغلاق يستند إلى التطورات السلبية في الاقتصاد التركي، مشيرة إلى أن مستويات التضخم الحالية تشكل تحدياً كبيراً أمام قدرة الشركات الدولية على مواصلة أنشطتها بكفاءة.
وتعتزم الشركة، وهي من كبرى شركات تشغيل سفن الحاويات في العالم، نقل جزء من عمليات مركزها إلى مكاتبها في الهند وماليزيا. ورغم أن السوق التركية للنقل البحري، التي تمثل أكثر من 87% من إجمالي حركة التجارة في الاستيراد والتصدير، لا تزال محوراً مهماً لأعمال الشركة، فإن إغلاق مركز الخدمات يعكس حجم الضغوط التشغيلية على الشركات الأجنبية العاملة في تركيا.
لم تقتصر هذه التطورات على قطاع الشحن البحري. ففي فبراير الماضي، أعلنت «سيمنس غاميسا» (Siemens Gamesa) الألمانية، المتخصصة في صناعة توربينات الرياح، إغلاق مركز أبحاثها وتطويرها في إزمير، مع استمرارها في تزويد السوق التركية بحلول الطاقة المتجددة.
وفي خطوة مشابهة، انسحبت شركة «فارهايم» (Farhym) الألمانية لصناعة قطع السيارات من السوق التركية بشكل كامل، مبررة ذلك بتصاعد المنافسة من الشركات الصينية، فقد باعت منشأتيها الإنتاجيتين إلى الشركة المحلية (Turna Ahşap). كما غادر مورد قطع الغيار الألماني «لينده آند ويمن» (Linde & Wiemann) السوق في نوفمبر 2024.
أوضح الخبير الاقتصادي مصطفى سونميز أن طبيعة الاستثمارات الأجنبية المباشرة الوافدة إلى تركيا تمر بمرحلة تحول ملحوظة. وقال في تصريح لـ(AGBI): «تختلف أسباب الانسحاب باختلاف القطاعات، سواء بسبب البحث عن وجهات إنتاج منخفضة التكلفة، أو نتيجة لعدم الاستقرار الاقتصادي، أو غياب القدرة على التنبؤ بمستويات الأسعار وسعر الصرف، وهو ما قد يدفع أي شركة لاتخاذ قرار الخروج».
وأضاف سونميز أن التدفقات الأخيرة من الاستثمارات الأجنبية تتجه بشكل أكبر نحو الأصول المالية بدلاً من القطاع الصناعي، وهو ما تؤكده بيانات البنك المركزي التركي التي أظهرت ارتفاع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 27% في النصف الأول من عام 2025 ليصل إلى 6.3 مليار دولار، إلا أن الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات ذهب إلى قطاعي التجزئة والجملة، بينما لم تتجاوز حصة القطاع الصناعي ربع الاستثمارات مقارنة بـ35% في عام 2024.
ويعكس هذا التراجع في الاستثمارات الصناعية ضغوطاً أوسع على الاقتصاد التركي، إذ أظهرت بيانات البنك المركزي انخفاض معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي خلال أغسطس إلى أدنى مستوى في عامين، مع تشغيل نحو 74% فقط من المصانع.