يتراوح سعر اللتر الواحد من زيت الزيتون حالياً بين 25 و30 ديناراً

مع نهاية أكتوبر من كل عام، تبدأ ليبيا في جني واحدة من أهم ثرواتها الزراعية وأكثرها حضوراً على موائد الليبيين وأسواق المنطقة، ثمار الزيتون التي تنطلق معها دورة المعاصر لإنتاج زيت يعد من الأجود عربياً.
هذه الثروة، التي يصفها الليبيون بـ«الذهب الأخضر»، تعيش لحظة مفصلية هذا الموسم إذ يواجه القطاع تحديات متراكمة من موجات الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج، وفق ما أكده مزارعون وخبراء اقتصاد لـ«إرم بزنس»، محذرين من تراجع العائد وفرص النمو ما لم تفعل حزمة دعم حكومية عاجلة لإنقاذ قطاع يعول عليه كرافعة للاقتصاد الوطني.
وبلغت قيمة صادرات ليبيا من زيت الزيتون في عام 2024 حوالي 5.2 مليون دولار، مع معدل نمو بلغ 26% خلال الفترة من 2020 إلى 2024، وفق بيان سابق لهيئة تنمية الصادرات الليبية في سبتمبر الماضي.
ومن مدينة بني وليد الشهيرة في زراعة وإنتاج زيت الزيتون، قال أحد أعيان قبائل ورفلة بالمدنية، المستشار موسى علي الغويل، لـ«إرم بزنس»، إن المدينة «تعد واحدة من أبرز المدن الليبية التي ارتبط اسمها منذ القدم بزراعة الزيتون وإنتاج زيته حتى أصبح وادي بني وليد يُعرف بوادي الزيتون وعمر بعض أشجارها يعود إلى أكثر من 300 عام».
ويعد الغويل موسم جني ثمار الزيتون بأنه «بداية لحصد قيمة اقتصادية وغذائية كبيرة في حياة الليبيين، ويتراوح سعر اللتر الواحد من زيت الزيتون حالياً بين 25 و30 ديناراً في حين يقدر الإنتاج الوطني لهذا الموسم بنحو 18 ألف طن من الزيت (مقارنة بنحو 15.5 ألف طن في موسم 2024-2025)»، مؤكداً أن هذا «يجعل زيت الزيتون أحد الأعمدة الأساسية للقطاع الزراعي وفرص العمل ومصدر دخل للآلاف وعنصراً مهماً للتصدير».
ووفقاً للغويل، فإن «المنطقة الغربية في ليبيا تُعد المركز الرئيس لإنتاج الزيتون حيث تشتهر مدن بني وليد وغريان وزليتن وأمسلاتة وترهونة وضواحي طرابلس على سبيل المثال لا للحصر بزراعته وإنتاج زيته منذ عقود فيما بدأ الجنوب الليبي يشهد في السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في زراعة هذا النوع من الأشجار لما يمثله من قيمة اقتصادية وقدرته العالية على التكيّف مع الظروف المناخية المختلفة».
وتواجه زراعة شجرة الزيتون بحسب الغويل «عدداً من التحديات أبرزها التغيرات المناخية وتراجع الموارد المائية وموجات الجفاف وضعف البنية التحتية للصناعات التحويلية والتعبئة والتسويق وهو ما يتطلب تدخلاً جاداً من الدولة لدعم هذا المورد الحيوي».
ويرى الغويل أن «تحقيق الاستدامة الاقتصادية لإنتاج الزيتون يتطلب وضع رؤية حكومية تتضمن تشجيع الاستثمار الزراعي وتوفير الدعم الفني والتقني للمزارعين وإنشاء مصانع عصرية للعصر والتعبئة بمعايير جودة دولية وتأسيس جمعيات تعاونية متخصصة في التسويق والتصدير مع أهمية توسيع الرقعة الزراعية في مناطق الجنوب واستثمار الأراضي الخصبة الواسعة هناك في تنويع الإنتاج الزراعي الوطني لجعل ليبيا في المستقبل القريب مركزاً إقليمياً منافساً في إنتاج وتصدير زيت الزيتون عالي الجودة».
وأفادت وكالة الأنباء الليبية، في تقرير قبل عام بأنه «توجد في ليبيا حوالي 8 ملايين شجرة زيتون، ورغم ندرة الأمطار والجفاف الحاصل والتغيرات الناخية في السنوات الأخيرة» إلا أن إنتاج ما توصفه بأنه «الذهب الأخضر» لا يزال «يضمن تغطية نفقات العناية بمزارع الزيتون ويُوفر بعض الدخل الإضافي لأصحابها».
وتعرضت زراعة الزيتون في ليبيا بين «ثمانينيات القرن الماضي وبداية الألفية للتهميش والإهمال بسبب المردود البسيط مقابل الإنفاق نظراً لكون زيت الزيتون المستورد كان من ضمن السلع المدعومة من الدولة ولم يكن سعر اللتر يتعدى وقتذاك 5 دنانير. إلا أن إلغاء الدعم الحكومي جعل سعر اللتر يتضاعف اليوم حوالي خمس مرات عما كان عليه، فعاد المزارعون إلى الاهتمام بهذه الشجرة بشكل ملحوظ».
وبات المزارعون «يفضلون جني الزيتون عن طريق عمالة وافدة معظمها من النيجر تم تدريبها محلياً على أيدي أصحاب المزارع أنفسهم، مقابل ما بين 10 و15 ديناراً (نحو 3 دولارات) لـ«المرطة» التي تعادل في الزيتون حوالي 14 كلغ وتعطي ما بين 3 و3.5 لتر من الزيت» وفق المصدر ذاته.
وينبّه رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية المحلل الاقتصادي، خالد بوزعكوك، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن زيت الزيتون من أهم الصادرات الليبية غير البترولية والأسواق الأوربية أهم وجهة له، مشيراً إلى أن «عدة شركات ليبية فازت بجوائز عالمية في معارض خاصة بزيت الزيتون في دول مهمة مثل إسبانيا وإيطاليا وألمانيا واحتلت التراتيب الأولى في جودة المنتج».
وأوضح بوزعكوك أن «ليبيا تتميز بمنتج جيد من زيت الزيتون ولكن بسبب الإهمال وفترات الجفاف والزحف العمراني انخفض مستوى الإنتاج للنصف ولكن الفترة الأخيرة وبدور مهم للقطاع الخاص تم استزراع عشرات الآلاف من أشجار الزيتون خاصة في مناطق زليتن وترهونة ومسلاتة والجبل الغربي. وأيضاً تم إنشاء معاصر حديثة لعصر الزيتون وعاد الإنتاج يتقدم».
وأضاف أنه «وسط غياب شبه تام لوزارة الزراعة يعول على القطاع الخاص لتنمية هذه الثروة المهمة»، داعياً لمزيد من الاهتمام الحكومي ومواجهة أي تحديات سواء لوجستية أو مناخية لدعم تلك الثروة التي تلعب دوراً مهماً في الصادرات.
وكشف المتحدث باسم مركز تنمية الصادرات الليبي، محمد حمودة، في تصريحات قبل عام، أن قيمة الصادرات الليبية غير النفطية، بلغت 3.1 مليار دولار، تصدر فيها المنتج المحلي التمر الليبي الذي يزرع في مناطق الواحات والمناطق الصحراوية، ثم زيت الزيتون المزروع محلياً في مناطق غرب البلاد، والأسماك التي يزخر بها الساحل الليبي.
ويعتقد الخبير الاقتصادي الليبي، الهادي عبد القادر، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «زيت الزيتون في ليبيا ثروة اقتصادية حقيقية، ولقب الذهب الأخضر ليس مجرد شعار، بل يعكس القيمة الاقتصادية العالية للمنتج خاصة والإنتاج الكبير بالموسم الذي يمثل حجماً اقتصادياً مؤثراً وامتلاك ليبيا لملايين من أشجار الزيتون يمثل رأس مال طبيعي واقتصادي ضخم».
ويرى عبد القادر أنه لتحويل هذه الثروة إلى محرك اقتصادي ناجح، لا بد من العمل على عدة محاور أولها على مستوى التصنيع والتسويق، بتطوير التعبئة والتغليف وإنشاء علامات تجارية (Branding)) لتمييز المنتج الليبي وزيادة قيمته، وفتح أسواق التصدير والتوجه نحو الأسواق الدولية، خاصة الأسواق الأوروبية والعربية المطلعة على جودة زيت الزيتون، من خلال المشاركة في المعارض الدولية والحصول على الشهادات العالمية، وإنشاء مراكز أبحاث متخصصة في زراعة الزيتون لتطوير أنواع أكثر مقاومة للجفاف والأمراض، وتحسين الممارسات الزراعية.
ونبّه الخبير الاقتصادي الليبي، الهادي عبد القادر إلى أن هناك تحدياً بيئياً رئيسياً وهو موجات الجفاف وتغير المناخ الذي يؤدي إلى تراجع أعداد الأشجار، وارتفاع تكاليف الجني والمعالجة وارتفاع الأسعار وعدم توفر أنظمة ري حديثة منخفضة التكلفة، مشيراً إلى أن هذه التحديات حادة وتهدد الأساس نفسه لهذه الثروة، والمزارع الفردي لا يملك الموارد الكافية لمواجهتها خاصة المتعلقة بالمناخ.
وعالمياً، وبحسب المجلس الوطني للزيتون، فقد انخفض الإنتاج العالمي من 3.42 مليون طن في 2021-2022 إلى 2.57 مليون طن في 2022-2023، بعدما واجه القطاع واقعاً مؤلماً بين عامين 2022 و2023، على خلفية موجات الحر والجفاف الشديد في الدول المنتجة الرئيسية مثل إسبانيا واليونان وإيطاليا، حسب تقرير سابق لـ«فرانس برس» في يونيو 2024، موضحاً أن هذا الوضع أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار بنسب تراوحت بين 50 و70% آنذاك.