logo
اقتصاد

«سوق التنابل» في دمشق.. وجهة الميسورين التي تحرك اقتصاد المهمَّشين

الاقتصاد غير الرسمي يشكّل من 30% إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي

لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور الشهرية في سوريا 40 دولاراً

«سوق التنابل» في دمشق.. وجهة الميسورين التي تحرك اقتصاد المهمَّشين
سوق الشعلان، دمشق، سوريا، 2 مارس 2025المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

في حي الشعلان وسط العاصمة السورية دمشق، لم تعد «سوق الكسالى»، المعروفة شعبياً باسم «سوق التنابل»، مجرد وجهة لشراء الخضراوات الجاهزة، بل أصبحت أحد المحركات الأساسية للاقتصاد غير الرسمي في البلاد، ومصدراً للدخل لعشرات العائلات التي تكافح للبقاء في ظل اقتصاد يعاني من آثار الحرب الطويلة.

يعمل في السوق مئات العمال، معظمهم من النساء، ويبلغ متوسط الدخل اليومي للعاملة الواحدة نحو 5 دولارات أميركية، في حين لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور الشهرية في سوريا 40 دولاراً. ورغم ضآلة هذا الدخل، فإنه يمثل شريان حياة في اقتصاد يتأرجح بين التضخم الحاد، وارتفاع تكاليف المعيشة.

أخبار ذات صلة

طائرة تابعة للخطوط الجوية السورية في مطار دمشق الدولي، يوم 7 يناير 2025.

سوريا توقع اتفاقاً بـ4 مليارات دولار لتحديث خطوطها الجوية ومطار دمشق

منظومة إنتاج صغيرة

تعود جذور «سوق التنابل» إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما ظهرت فكرة تجهيز الخضراوات، مسبقاً، للأسر العاملة. ومع مرور الوقت، تحولت المبادرة البسيطة إلى نموذج إنتاج يدوي مصغّر يعتمد على المهارة، والوقت، أكثر من رأس المال.

وخلال التسعينيات، اكتسبت السوق شهرة إقليمية، وجذبت زبائن من لبنان وتركيا والأردن، بل وألهمت أسواقاً مشابهة في الخارج، مثل: «سوق الزوجات الكسولات» في مدينة غازي عنتاب التركية، المستوحى مباشرة من التجربة الدمشقية.

اليوم، يبيع بعض أصحاب الأكشاك أكثر من 100 كيلوغرام من الخضراوات يومياً، ما أوجد دورة اقتصادية صغيرة تربط بين المزارعين والباعة والنقل والتخزين في حلقة إنتاج محلية مكتفية ذاتياً.

اقتصاد يمتص الصدمات

تشير بيانات «البنك الدولي» إلى أن الناتج المحلي الإجمالي السوري انكمش بنسبة 1.5% العام 2024، مع توقع نمو محدود لا يتجاوز 1% في عام 2025، بعد تخفيف العقوبات الدولية جزئياً، واستمرار التحديات المرتبطة بضعف الإنتاج الصناعي، وتراجع القدرة الشرائية.

في هذا السياق، برزت الأسواق الشعبية، مثل «سوق التنابل»، كآليات حقيقية لامتصاص البطالة وتنشيط الاقتصاد اليومي، خاصة في المدن الكبرى التي تعاني من غياب الاستثمارات الرسمية.

ويرى اقتصاديون أن هذه الأسواق تمتص قوة العمل المعطلة عبر اعتمادها على رأس مال بسيط، وثقة اجتماعية متبادلة، مما يسمح بالحفاظ على دوران السيولة داخل المجتمعات المحلية.

مواطنة سورية تلتقط سيلفي على قمة تطل على العاصمة دمشق في 18 ديسمبر 2024
مواطنة سورية تلتقط سيلفي على قمة تطل على العاصمة دمشق في 18 ديسمبر 2024 المصدر: (أ ف ب)

النساء في الصدارة

غيّرت الحرب جذرياً هيكل سوق العمل السوري، إذ تشير التقديرات إلى أن عدداً كبيراً من الرجال في سنّ العمل فقدوا حياتهم، أو نزحوا، أو أُصيبوا خلال الصراع، مما دفع النساء إلى دخول سوق العمل بأعداد غير مسبوقة لتعويض النقص في القوى العاملة.

ويؤكد خبراء اجتماعيون أن «سوق التنابل» تمثل نموذجاً مصغّراً للاقتصاد النسائي غير الرسمي، إذ باتت منفذاً لآلاف النساء اللواتي وجدن في العمل اليدوي وسيلة لإعالة أسرهن بعد فقدان المعيل الأساس.

وتقول إحدى العاملات إن الدخل اليومي البسيط هو ما يحافظ على بقاء أسرتها فوق خط الفقر، رغم الإرهاق وطول ساعات العمل، مضيفة أن «السوق هي مصدر الرزق الوحيد المتاح».

الأسواق الشعبية واستقرار الاقتصاد

تقدّر منظمات اقتصادية أن الاقتصاد غير الرسمي يشكّل من 30% إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي السوري، وهي نسبة ارتفعت بشكل كبير منذ العام 2011.
ويرى محللون أن الأسواق الشعبية الصغيرة تلعب دوراً محورياً في منع الانهيار الكامل للنشاط الاقتصادي، عبر توفير فرص عمل مباشرة، وتحريك التجارة المحلية بأسلوب بسيط ومنخفض التكلفة.

كما تُعتبر هذه الأسواق سلاسل توريد مصغّرة تساهم في تثبيت الأسعار، وضمان توافر السلع الأساسية، رغم ضعف المؤسسات الرسمية، وتراجع الإنتاج الصناعي والزراعي.

قبل الحرب، كانت العائلات السورية تشتري الخضراوات بكميات كبيرة لتخزينها لفصل الشتاء. أما اليوم، ومع تراجع الدخل، وغياب الكهرباء المستقر، وارتفاع الأسعار، تغيّر السلوك الاستهلاكي بشكل ملحوظ.

فقد أصبح المستهلكون يشترون كميات صغيرة بشكل يومي بدلاً من التخزين، ما زاد من حركة السوق، واستدامة الطلب.

ويشير تجار محليون إلى أن «الزبائن باتوا يأتون، يومياً، بدلاً من الشراء الأسبوعي، وهو ما يجعل السوق أكثر نشاطاً رغم ضعف القدرة الشرائية».

مخاطر النمو غير الرسمي

رغم محدودية البيانات الرسمية الدقيقة، تُظهر التقارير الاقتصادية أن الاقتصاد غير الرسمي بات يشكّل أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعله أحد أعمدة النشاط الاقتصادي بعد الحرب.

لكن هذا النمو غير الرسمي يواجه مخاطر هيكلية، أبرزها ضعف البنية التحتية، ونقص الكهرباء والمياه، والتقلبات الحادة في سعر الصرف، فضلاً عن القيود الناتجة عن العقوبات الدولية التي تحدّ من التمويل والنقل التجاري.

ووفق تقرير حديث لـ«البنك الدولي»: «رغم بعض التخفيف في العقوبات المفروضة، فإن الأصول المجمدة وصعوبة الوصول إلى النظام المصرفي الدولي ما زالت تُعرقل تعافي الاقتصاد السوري، وتحدّ من قدرته على جذب الاستثمارات».

وتجعل هذه العوامل من الاقتصاد غير الرسمي ظاهرة مزدوجة الوجه: فهو شبكة بقاء مجتمعي من جهة، ومؤشر على هشاشة التعافي الاقتصادي من جهة أخرى.

أخبار ذات صلة

الوزيرة هند قبوات خلال مشاركتها في منتدى Fortune Global Forum 2025 بالرياض 27 أكتوبر 2025

وزيرة سورية لـ«إرم بزنس»: نعمل على تنفيذ برامج لمحاربة الفقر في سوريا

نموذج لاقتصاد الضرورة

تُعد «سوق التنابل» مثالاً مصغّراً لما يُعرف بـ «اقتصاد الضرورة» داخل الاقتصاد السوري. فالسوق، القائمة على بيع الخضراوات الجاهزة والمحضّرة للاستخدام المنزلي، تجسّد ديناميكيات هذا القطاع: دخول منخفض، رأس مال بسيط، إنتاج يدوي، وتدفق نقدي يومي محدود لكنه مستمر.

وتقدّر دراسات اقتصادية أن مثل هذه الأسواق تسهم بما بين 3 إلى 5% من إجمالي النشاط التجاري المحلي في المدن الكبرى، عبر دورة اقتصادية قصيرة تُبقي السيولة داخل الأحياء، وتوفّر فرص عمل مباشرة للفئات الأكثر تضرراً.

كما تُظهر السوق كيف تحوّل العمل المنزلي غير المدفوع إلى نشاط اقتصادي مدرّ للدخل، إذ أصبحت المهارات المنزلية، مثل إعداد الخضروات، تُمارس اليوم في إطار تجاري منظم بشكل غير رسمي.

ورغم أن القيمة المضافة تبقى محدودة، فإن الأثر الاجتماعي للسوق كبير، إذ توفّر شبكة أمان اقتصادية للمئات من الأسر، وتساهم في استقرار الأسعار المحلية في ظل التضخم المزمن.

ورغم أن المؤشرات الكلية للاقتصاد السوري ما تزال سلبية، فإن الأسواق غير الرسمية مثل «سوق التنابل» تُظهر قدرة المجتمع على التكيّف والحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي.

وفي شوارع دمشق، لم تعد أصوات السكاكين على ألواح التقطيع مجرد ضجيج صباحي، بل إيقاعاً ثابتاً لاقتصاد يعيد تنظيم نفسه ببطء من القاعدة إلى القمة.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف